تشهد الساحة التعليمية في العراق اتجاهًا متزايدًا نحو اختيار الاباء  للمدارس الاهلية لتعليم أبنائهم، على الرغم من تكاليفها العالية. تعكس هذه الظاهرة عدة جوانب من التحديات والمميزات التي تعد دورًا مهما في تشكيل منظومة التعليم في البلاد.

منطقيا أن ارتفاع تكاليف التعليم في المدارس الأهلية يجعلها غير ممكنة للكثير  من الاسر العراقية،  الا ان الواقع يُظهر توجهًا عكسيًا، حيث يفضل العديد من الآباء والأمهات مهما تواضع دخلهم  إرسال أبنائهم إلى هذه المدارس. ولو اردنا تناول الأسباب التي تدفعهم إلى اتخاذ هذا القرار فهي جلية للجميع  وقد لا يحتاج لذكرها ولكن نكتفي بجملة واحدة وهي ان المدارس الاهلية  تتوفر فيها بيئة تعليمية قد تكون افضل من المدارس الحكومية وجودة التعليم فيها الى حد ما  اعلى.

ورغم ان التكلفة المادية تثقل كاهل الاسرة الا اني اجد فيها جانب مضيء وهي خلق بيئة تنافسية  بين المدارس الاهلية والحكومية من جانب والمدارس الاهلية  فيما بينها  من جانب اخر . 

ولكن هل مدارسنا ... حكومية كانت ام اهلية  تتبع النظام  العلمي الرصين والانساني  المعتبر ؟ واخص الذكر المرحلة الابتدائية  والتي  تعد الركيزة الاهم والاخطر   في نشوء الطالب وصقل اهتماماته وتوجيهه الى المسار المناسب لقدراته  ومؤهلاته الذهنية . الطالب المتخرج حديثا من السادس  الابتدائي ما الذي منحته اياه هذه المرحلة الابتدائية  بسنواتها الست؟

 اليكم سادتي خلاصة ما منحتني اياه انا شخصيا هذه السنين الست ....

كل التقدير والاحترام لسادتي  ومعمليني الذي افنوا ما افنوه  من وقتهم وجهدهم في ترسيخ العلوم والاخلاق الحميدة فرحم الله الماضين واطال  عمر الباقين وما ساذكره ان هو الا نتيجة  لنظام جماعي عام وشامل  اتسم بالرسمية والصرامة فاق قدرة المعلم او سلطة المدير .   ان تشبث  المنطق العسكري في اداء الكادر التعليمي ارسى لدي  ولدى كثير من الصغار ضيقا وتمردا للقوانين  ابتداء من الطابور الصباحي وانتهاء  بالزام الطالب بالوقوف عند دخول المعلم  لترسيخ روح الاحترام لديه ....! هو خلاصة ما خرجت به من تلك المرحلة.   الامر الذي ترك لدي  ولدى زملائي عقدة لازمتنا حتى مرحلة الكلية فرحلة الصف  ضيقة جدا بالكاد تحشر نفسك فيها بعد تكبدك جهدا في حشر قدميك تحت لوح المقعد   لتجلس  في مشهد درامي قد تقتبس منه الاف المسلسلات .

اما انتصابك واقفا داخل الرحلة  عند مجيء المعلم  يترك في داخلك شعور لا يمت للاحترام  باي صلة تذكر. ما جعل اول قرار اتخذه عند تسنمي مهمة التدريس لأخر ثلاثة اشهر  لي  في العراق  ان طلبت من التلاميذ  حينها ان لا يقفن احدٌ لي عند  دخولي الفصل فالاحترام يبدا  عندما تحترم  الاخر مهما صغر سنه وقلت حيلته  ماتسبب  بأزمة  لي مع الكادر التدريسي والادارة  حينها  منددين  بالكيفية التي اتعاطاها  مع طلبتي الامر الذي  قد يشق عصى  الطاعة لديهم  ...!  اي منطق هذا واي منطلق  تهذيبي  ذاك ؟

لقد ترك هذا  القرار   لدى طلبتي   سلوكاً يدعو الى التأمل ... فبقدر ما ترك هذا  القرار هوة بيني وبين زملائي من  الكادر التدريسي  بقدر ما ادناني  من  طلبتي  . فقد بدت عليه  علامات الخجل تارة عندما يخالف الطالب فيهم  لوائح الصف كتحضير الواجب وجلب الكراس وما الى ذلك   واحيانا الاعتذار  تارة اخرى اذا ما بدر منه سلوك يسئ لاحد زملائه . فالطالب هو في الاخير  انسان   فيه كتلة من العواطف علينا ان نستدرجها لما هو جميل  و ايجابي مهما بدت عليه علامات التسيب و المشاكسة . لقد احبوا  درس اللغة الانكليزية واحببتهم .  كانت  تلك الشهور الثلاثة من امتع  التجارب التي خضتها  في بلدي الحبيب  ولكن للاسف لم يقدر لها الاستمرار  لمغادرتي اياه .

ماذا تريد ان تصبح  عندما تكبر ... دكتور ام مهندس ؟ وعندما يكبر.. لا دكتور ولا مهندس...!

وهنا يأتي دور الاهل في هذه المرحلة الابتدائية  الحساسة .. فمن اخطر الافكار التي يدسها اهلونا  في السابق وما زالوا وهي ان ينال اطفالهم احدى الحسنيين الطب او الهندسة  وكأن الدنيا  اقتصرت  على هاتين  الوظيفتين  دونما رؤية واقعية لمقدرة الطفل الذهنية او لميوله وانسجاماته  ليصطدم  الطفل في يوم ما  بالحقيقة  ليتخلى  عن حلمه  الذي اثقله لسنوات رغم انه في واقع الحال  لم يكن حلمه يوما بقدر ما كان حلم والديه.

ان تربية  الاطفال وتثقيفهم لما هو صالح وتوفير البيئة السليمة لهم   هي مسؤولية  جماعية   وهي مهمة و حساسة  علينا جميعا  المساهمة فيها رغم الدمار الذي حل بنا ورغم  كل العقبات  .  ان  املنا كبير في هؤلاء الاطفال الذي قد يعدلوا بوصلة هذا البلد في يوما من الايام ويصلحوا ما تم تدميره ...  كل عام وطلبتنا الاعزاء بخير بحلول العام الدراسي الجديد ووفقكم الله لما فيه خير و صلاح  واهلا بها مدرستي ./ انتهى