كتابة: رحيم الحلي
في تاريخ الأغنية العراقية أسماء صنعت شهرتها أمام الجمهور، وأسماء أخرى اختارت أن تقف خلف الأصوات، تمنحها اللحن الذي يصنع حضورها ويمنحها البقاء. ومن بين أبرز هؤلاء الملحن عبد الحسين السماوي، الذي ترك أكثر من مئتي لحن، وغنى من أعماله عدد كبير من مطربي العراق، حتى استحق لقب "شيخ الملحنين العراقيين". وبعد مراجعة ما نُشر عن سيرته، وجدت أن بعض المعلومات المتداولة عنه تحتاج إلى تصحيح، وأهمها أنه لم يولد في بغداد كما ورد في بعض الكتابات، بل ولد في مدينة السماوة عام 1943، ومنها حمل اللقب الذي رافقه طوال حياته الفنية.
بدأت علاقته بالنغم في طفولته من باب مختلف، إذ مارس تجويد القرآن الكريم وهو في المرحلة الابتدائية، ثم اتجه في المرحلة المتوسطة إلى الغناء والتمثيل من خلال النشاط المدرسي. وتذكر سيرته أنه غنى في تلك الفترة لحناََ من ألحانه بعنوان "حلوة حياتي وياك"، قبل أن يشتهر العمل لاحقاََ بصوت المطرب داود العاني. وهكذا بدأت ملامح الملحن تظهر قبل أن يدخل عالم الموسيقى أكاديمياََ.
التحق السماوي بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، واختار آلة القانون مجالاََ لتخصصه، وتخرج عام 1963. وبعد تخرجه عمل معلماََ في مدرسة قتيبة بن مسلم الابتدائية في الأعظمية، ثم واصل نشاطه في دائرة النشاط المدرسي في تربية الرصافة، وأصبح عام 1970 مشرفاََ في مديرية النشاط المدرسي بوزارة التربية. ومن خلال عمله أقام الحفلات المدرسية، وأسهم في اكتشاف وتشجيع أصوات شابة، كما وضع ألحاناََ لمسرحيات غنائية ومقدمات مسلسلات، وظل في هذا المجال حتى إحالته إلى التقاعد عام 1989.
وإذاأردنا البحث عن سر شخصية عبد الحسين السماوي الموسيقية، فعلينا العودة إلى منابع ثقافته السمعية. فقد تأثر برواد المدرسة البغدادية، ومنهم يحيى حمدي ورضا علي ومحمود عبد الحميد، لكنه لم يبق أسيراََ لهذه المدرسة، بل اتجه إلى استلهام الفلكلور العراقي وإعادة صياغته في قالب غنائي حديث. وتشير دراسة موسعة عن تجربته إلى تأثره أيضاََ بأجواء الردات الحسينية، ولا سيما نغمة الأوشار بما تحمله من شجن وامتداد لحني، وهو ما يساعد في تفسير ذلك الحزن العذب الذي يسري في كثير من ألحانه.
كان السماوي يعرف كيف يختار الصوت الذي يلائم الجملة اللحنية، ولذلك لم تكن علاقته بالمطرب مجرد تسليم لحن جاهز، بل كان يبحث عن الخصائص الصوتية التي يستطيع من خلالها أن يمنح اللحن حياته الكاملة. ومن هنا ارتبط اسمه بعدد من الأصوات التي أصبحت لاحقاََ من العلامات البارزة في الأغنية العراقية، حتى إن بعض المصادر تعده من الملحنين الذين أسهموا فعلياََ في صناعة بدايات عدد من المطربين.
وكانت تجربته مع فؤاد سالم واحدة من المحطات المهمة في مسيرته. فقد قدم له "ردتك تمر ضيف" من كلمات ناظم السماوي، و"محلاها العيون" و"صوت الغريب"، إلى جانب أعمال أخرى مثل اغنية "لأجل الضوة " التي كتبها الشاعر ناظم السماوي حملت نكهة فلكلورية واضحة. وتكشف هذه الألحان عن قدرة السماوي على التعامل مع صوت فؤاد سالم بما يمتلكه من مرونة في الانتقال بين الغناء المديني والريفي، وقد بقيت "ردتك تمر ضيف" خصوصاََ واحدة من الأغنيات التي ارتبطت بذاكرة المستمع العراقي.
أما علاقته بالمطرب حميد منصور فكانت أكثر غزارة، إذ وجد السماوي في صوته مساحة مناسبة لاتجاهه اللحني، فقدم له مجموعة كبيرة من الأغنيات، بينها "سلامات"، و"رد حبيبي"، و"عينك علينا"، و"خلهم يروحون"، و"على مهلك"، و"دگيت بابكم"، و"يا معزهم"، وأعمال أخرى. وأصبحت "سلامات" خصوصاََ من أشهر أغاني حميد منصور وأكثرها طلباََ من الجمهور، وبقي اسم عبد الحسين السماوي مرتبطاََ بها في الذاكرة الغنائية العراقية.
ولم يقتصر عطاؤه على فؤاد سالم وحميد منصور، فقد لحن لكمال محمد "معاتبين" و"ردي بينه"، وقدم للدكتور فاضل عواد "ضوه خدك" و"مشتاق إلك يا نهر"، كما ارتبط اسمه بأغنية "تناشدني عليك الناس" بصوت سعدي الحلي، وهي من الأعمال التي تكشف بوضوح قدرته على توظيف الشجن العراقي في بناء جملة لحنية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالعاطفة والحنين.
وكان السماوي أيضاََ من أولئك الملحنين الذين منحوا الفرصة للأصوات الجديدة. وتشير إحدى الدراسات التي تناولت سيرته إلى أنه قدم ألحانه لأكثر من اثني عشر مطرباََ كانوا في بداياتهم، ومن بينهم مظفر العبادي، وسعدي البياتي، وكمال محمد، وعبد الأمير محمد، ورعد ميسان وغيرهم. وكان رعد ميسان لا يزال فتىََ عندما اهتم السماوي بصوته وقدمه إلى الساحة بأغنية "يا ريحانة"، ثم "رد مالك ملعب ويانه" و"يا بو طربيل". وهذه الصفحة من حياته تكشف جانباََ مهماََ من شخصيته، فقد كان يرى في التلحين مسؤولية تتجاوز نجاح الأغنية إلى اكتشاف الصوت وإعطائه فرصته.
ومن بين ما يلفت في تجربة السماوي أنه لم يسع إلى استعراض المعرفة الموسيقية على حساب إحساس المستمع. كانت ألحانه في الغالب واضحة البناء، قريبة من الوجدان، لكنها تستند إلى معرفة بالمقام والإيقاع وخصائص الصوت البشري. وكانت الكمنجات والناي والجملة الشرقية الحزينة عناصر متكررة في عالمه، فيما بقي التراث حاضراََ لديه بوصفه مادة قابلة للتجديد، لا قالباََ جامداََ ينبغي نسخه. ولهذا وضعته بعض الكتابات ضمن جيل الملحنين الذين أسهموا في تحديث الأغنية العراقية ومزج الروح الريفية بمناخ المدينة، إلى جانب أسماء مثل طالب القره غولي ومحمد جواد أموري ومحسن فرحان وكمال السيد ونامق أديب.
ولم تكن قيمة عبد الحسين السماوي في عدد ألحانه وحده، على أهميته، فقد تجاوز إنتاجه مئتي لحن، وإنما في تنوع الأصوات والأجيال التي تعامل معها. غنى له سعدي الحلي، وفؤاد سالم، وحميد منصور، وفاضل عواد، وعبد الزهرة مناتي، وسعدي البياتي، وكمال محمد، ورعد ميسان، وغيرهم، وهو ما جعله شاهداََ ومشاركاََ في أكثر من مرحلة من مراحل تطور الأغنية العراقية.
أما على المستوى الإنساني، فقد أجمع كثير ممن كتبوا عنه بعد رحيله على هدوئه وطيبته وتواضعه. ووصفه الشاعر عزيز الرسام بأنه كان إنساناََ طيباََ وصادقاََ مع أصدقائه وأباََ وزوجاََ محباََ، وهي صورة تلتقي مع ما كتبه عنه زملاؤه ومحبو فنه. كما عبّر الملحن ذياب خليل، خلال الأزمة الصحية التي سبقت رحيله، عن تقديره لأخلاقه وإنسانيته وموهبته، في شهادة تكشف مقدار الاحترام الذي كان يحظى به داخل الوسط الفني.
وفي عام 2002 استقر عبد الحسين السماوي في مدينة سيدني الأسترالية، حاملاََ معه ذاكرة العراق وألحانه إلى الغربة. وهناك أمضى سنواته الأخيرة بعيداََ عن الوطن الذي منحه معظم حياته الفنية، حتى رحل يوم الأحد 26 آب 2018 بعد معاناة مع المرض، لتطوى حياة ملحن عاش هادئاََ، لكنه ترك وراءه ألحاناََ ظل صداها أعلى من الضجيج.
رحل عبد الحسين السماوي في أستراليا، لكن الملحن لا يرحل حين تبقى ألحانه على ألسنة الناس. فما زالت "سلامات" تستدعي صوت حميد منصور، و"ردتك تمر ضيف" تعيد إلينا فؤاد سالم، و"تناشدني عليك الناس" تستحضر سعدي الحلي، و"ضوه خدك" تعيد صوت فاضل عواد إلى الذاكرة. وفي كل واحدة من هذه الأغنيات يقف خلف الصوت رجل هادئ حمل القانون بين يديه، وحمل في وجدانه تراث العراق وشجنه، ثم أعاده إلى الناس ألحاناََ.
عبد الحسين السماوي لم يكن مجرد ملحن لأغانٍ ناجحة، بل كان واحداََ من صناع مرحلة زاهية من تاريخ الأغنية العراقية، وأحد أولئك الذين أثبتوا أن اللحن الجميل يستطيع أن يعيش أطول من صاحبه. غادر السماوي وطنه، ثم غادر الحياة بعيداََ عنه، لكن نغمته بقيت عراقية خالصة، تحمل حزن الفرات ودفء بغداد وأصوات مدن الجنوب، وتمنحه مكاناََ مستحقاََ بين كبار ملحني العراق./ انتهى




التعليقات