المرسى نيوز /
علي الرديني
كان أمير يعيش
حياة مترفة في قصر على حدود التبت شمال شرق الهند وقد جرب كثيراً من ملذات الحياة
ولما خرج ليكتشف العالم من حوله وجده مليئاً بالألم والمعاناة من بؤس وقسوة وحرمان
وفقر ومرض والهرم فقرر ان يترك تلك الحياة الناعمة الى حياة التقشف والزهد والعزلة
معتقداً ان تلك هي الوسيلة لحل مشاكل الحياة
لكنه اكتشف بعد ذلك الزهد ليس وسيلة مناسبة للقضاء على متاعب الناس وآلامهم
، وأخذ يتأمل حتى توصل الى نتيجة مفادها أن سبب الألم هو الرغبة في التمتع
بالحسيات والتشبث بالحياة والخوف من الموت ولا يكون التخلص من الألم الا بالتحرر
من الرغبات والشهوات بفصل الجسم والذهن عن مؤثرات العالم الخارجي ( نيرفانا )
لتحقيق السعادة ، وصاحب هذه الفلسفة هو جوتاما سداراتا (بوذا) القرن السابع أو
السادس ق.م .
وبالفعل نحن
أسارى لرغباتنا الشعورية وحاجاتنا الجسدية التي تتجدد دون انقطاع وعند عجزنا أو فشلنا
في إشباعهما تولدت عندنا الآلام ، والتفريج عن الألم والتخلص منه هو الاحساس باللذة
واذا تم تجاوز الإشباع الكافي يرجع الألم من جديد.
لذا اعتقد أصحاب
مذهب اللذة أن الغاية القصوى من الرغبات والهدف الأسمى في الحياة هو تحقيق أكبر
قدر من المتع واللذات ، والألم هو الشر في ذاته
وأن المعيار الأخلاقي في تحديد فعل الخير أو الشر يتوقف على نتيجة ذلك
الفعل الباعث على اللذة ( خير ) أو الألم (شر).
رأى أرستيبوس
(435-355 ق.م) صاحب مدرسة القورينائية والتي عرفت بمدرسة اللذة إن اللذة الحسية هي
الخير الأوحد بعكس المدرسة الكلبية التي
تعد السعادة هي الغاية لأفعال الانسان وان الفضيلة لا المتعة المؤقتة هي التي تمثل
السعادة الحقيقة ، اما أبيقور (341-270 ق.م) فقد اعتبر اللذة هي المنفعة وفيها
تكون السعادة ويجب تجنب اللذات التي تفضي الى الآلام والعكس كذلك.
وهناك من رأى
ان اللذة هي المنفعة الشخصية كتوماس هوبز (1679-1588) ومنهم قال ان الوصول للسعادة
يكون عن طريق تحقيق أكبر قدر من اللذات للناس او المجتمع وهم أصحاب مذهب
المنفعة .
لكن هناك
اختلاف بين اللذة والمنفعة والسعادة ، فليس كل ما هو لذيذ هو نافع ولا كل
مؤلم هو ضار فقد نأكل أكلاً لا نستلذ به
للفائدة الغذائية التي فيه او نتجرع دواءَ مراً لنشفى كما أن لذة تعاطي المخدرات تجعلك تدمن شيئاً فشيئاً حتى تدمر
صحتك.
كما انه ليس
كل إشباع للذة هو إزالة للألم ولا كل إزالة ألم يؤدي الى لذة ، فالسادي يحصل على
اللذة عن طريق إبقاء الألم بالآخرين ، وعكسه المازوخي الذي يتلذذ بإذلال نفسه
للآخرين وتعذيبهم له وقد يصاحب ذلك شهوة جنسية.
واللذة ليس هي
السعادة فهنالك لذات تجلب لنا الحزن والندم كمن يمارس الجنس وعند الانتهاء وانطفاء
الشهوة يحس بالندم ومن يزني يحس بالحزن لمخالفة التعاليم الدينية والعكس صحيح مثل
من يعرض نفسه للأذى في سبيل من يحب (الغيرية) أو من أجل مبدأ سياسي أو قيم أخلاقية
أو عقيدة دينية قد تحمله آلاماً كثيرة
لكنها تشعره بالرضا والسعادة .
لا يمكن إنكار
لعنصري اللذة والألم من تأثير كبير في سلوكانا فقد فسر عالم النفس الشهير سيغموند
فرويد (1856-1939) عمل الغرائز طبقا لمبدأ اللذة في حالة دعم إشباعها ينتج توتراً >
عدم اللذة > الاشباع > ارتياح > لذة > حتى يظهر توتر جديد وهكذا دواليك
.
الا انه تراجع
عن ذلك بعد حين عندما أدرك أن نظريته في الغرائز لا تفسر بعض الظواهر النفسية مثل
المرضى الواقعين تحت تأثير دافع قوي يجبرهم على تكرار بعض خبراتهم المؤلمة السابقة
دون الشعور باللذة التي يفترض لإشباعها يزول الألم ، أسمى
فرويد هذه الحالة ( إجبار التكرار ) واعتبرها أكثر بدائية من مبدأ اللذة.
وللإنسان
رغبات عديدة منها مرتبطة بحاجات الجسد
تتمثل في الأكل والشرب والنوم والجنس وممارسة الرياضة والهويات .
ومنها ما هو
مرتبط بالحاجات النفسية كالحب وتخفيف الخوف والقلق والحزن والاكتئاب والغضب
المكبوت.
وهناك رغبات
خارجية في السعي للسلطة او الثروة او الخضوع او الحسد وحب الانتماء وإثبات الذات
والاستمتاع برفقة الأهل والأصدقاء وتحقيق النجاح في الدراسة والعمل او الحصول على
مكانة ومنزلة وهذا يكون خلال المجتمع الذي ننصهر فيه.
أضف الى ذلك
الرغبات الفكرية او العقلية في طلب العلم ومعرفة حقائق الأشياء وغاية الوجود والرغبات
الروحية المتعلقة بالدين .
وحسب ميول
الناس وظروفهم منهم من يرى لذة السعادة في
التذوق الفني او كنز المال او تحقيق النجاح
او طلب العلم او الشهرة او سعياً وراء السلطة ولو على حساب حاجته الغريزية
ومنهم من يسعى وراء اللذات الشهوانية ولو أدى الى إفلاسهم وتعاستهم وآخرين يضحون
بمستقبلهم من أجل حبيب او جشع او بغض او عدوان .
ويمكن ان نستعين
بتحليل ما ذكر أعلاه بنظرية فرويد في نموذجه في البنيوية النفسية التي قسمها الى
ثلاثة اجزاء :
١- الهو (Id)
: هو الجزء الذي يحتوي على الغرائز الموروثة والعمليات النفسية المكبوتة وهو الذي
يطيع مبدأ اللذة ولا يعرف المنطق والأخلاق والواقع .
٢- الأنا
الأعلى (Supper Ego) : هو
الضمير الذي يمثل دور الواعظ والمحاسب طبقاً للقيم الأخلاقية والأعراف المجتمعية
والتعاليم الدينية التي تنمو بتدريج من مرحلة الطفولة عن طريق سلطة الأبوين مروراً
بالمدرسة والمجتمع ودور العبادة بحيث تنتقل هذه
السلطة الخارجية الى النفس متمثلة بالأنا الأعلى .
٣- الأنا (Ego)
: هو الجزء الذي يشرف على مهام حفظ الذات والإرادة ويعمل على التوازن بين رغبات الهو وصرامة الأنا الأعلى بإشباع رغبات الأول بصورة
لا تخالف ضوابط المجتمع وأعرافه التي يحملها الثاني .
فمن تربى
تربية صارمة او تمسك بمعتقد او فكرة حتى النخاع سيكون عنده الأنا الأعلى قوياً له
القدرة على قمع غرائز الهو وعندها سيلجأ الأنا للحيل الدفاعية لإشباع رغبات الهو
وان لم يقدر سيكتبها وسيسبب ذلك أمراض نفسية وأحياناً تكون النتيجة الانتحار بسبب
محاصرة الأنا بقوة من قبل الهو والأنا الأعلى .
ومن كان عنده الأنا
الأعلى ضعيفاً ستتمكن الهو من تمشية رغباتها بسهولة ويبقى الأنا الذي يعمل طبقاً
لمبدأ الواقع فإن رأى بعدم إمكان عمل المحرمات علنا فسيخطط لتنفيذها سراً بعيداً
عن أنظار الناس حتى لا يتعرض للنبذ والاستهجان او في مجتمع اخر يسمح بهذه المحرمات
.
أما الأنا
المعتدلة هي من توازن بين إشباع الغرائز ضمن حدود الأخلاقية والواقع الذي لا يضره
.
نقول قبل ختم
الموضوع إن اللذة ليست هي الهدف الأقصى في الحياة فهناك ما يعلو عليها قد يكون
مبدأ او فكرة او عقيدة وان السعادة هي وجدان يرافق شعور تحقيق الذات الانسانية
بنموها وإنجازاتها وتفاعلها مع الحياة ومع الآخرين، هذا يعني ان السعادة ليست هي
الهدف الأسمى ايضاً بل هناك ما هو فوقها وهو السعي نحو التكامل باتجاه الواجب
المطلق.




التعليقات