لم يعد شارع المتنبي في بغداد مجرد طريق مرصوف بين نهر دجلة وسوق السراي، فهو ذاكرة العراق الثقافية النابضة. وفي الآونة الأخيرة، التفتت الجهات الحكومية للشارع، وأجرت عليه تعديلات معمارية وفنية واضحة، فترمت الواجهات، وأُضيفت الاضاءات الحديثة، وتنظمت المقاعد، ليتحول الشارع بصرياً إلى لوحة جميلة وأنيقة تسر الناظرين.

ولكن، خلف هذا البريق المعماري تكمن المفارقة والمصيبة الكبرى. فمن عاشر المتنبي قديماً يعلم أن سر قوته ليست يوماً في فخامة جدرانه، إنما في بساطة معالمه ودكاكينه التي كانت تعج بعمالقة الفكر، والعلم، والتراث، والشعر، والأدب. حيث كان الشارع ملاذاً حقيقياً لمن يجوع فكرياً، فيأتي إليه ليقراً، ويناقش، ويشبع عقله بالتنوير والمعرفة.

أما اليوم، وبعد هذا التطور العمراني، تغيرت هوية الشارع الثقافية بشكل مقلق. فقد أصبح المكان جاذباً لأضواء الإعلام الموجهة نحو السطحية، والتركيز على ما يُعرف بـ ( التحشيش ) والأساليب التافهة وكسب المشاهدات. فغاب العمالقة الحقيقيون وانزوت حواراتهم الرصينة بعيداً عن عدسات الكاميرات، وحل محلهم طوفان ممن هب ودب.

فالمتنبي الذي كان يوفد إليه الباحثون من كل بقعة في العالم، بات اليوم مكاناً يستعرض فيه البعض الأزياء والصرعات الفارغة، حتى صار ( اليجوع فكر ) يشعر بالغربة وسط جموع تبحث عن المتعة البصرية الفورية فقط.

كما إن هذا التحول يترك غصة وألماً في قلوب الحريصين على إرث بغداد. فالتجميل المعماري مطلوب ومرحب به، لكن المصيبة أن يفقد الشارع روحه وجوهره الثقافي الذي من أجله بني وعرف عالمياً.

وفي زيارتي الثانية إلى سلطنة عُمان، وقفت متأملاً أمام وعي هذا الشعب وحرصهم الشديد على إرثهم الفكري. هناك، حيث الشارع الأدبي بساحة أتين في محافظة ظفار، تلمس وقار الثقافة الحقيقية، مكان تشعر فيه بهيبة العلم لدرجة أنك تخجل أن يعلو صوتك خشية أن تخدش سكينة القراء والمفكرين، أو تلفت الأنظار بنغمة نشاز. وكذلك الحال عندما تزور شارع المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة، حيث يفرض التاريخ الإسلامي العريق وتراث المكان احترامه على الجميع، فالمقارنة بين صون هذه الدول لمعالمها وبين ما يحدث لدينا اليوم أصبحت مقارنة موجعة.