كتب/ د. علاء صابر الموسوي
يتطلب السرد القصصي المعاصر شجاعةً استثنائية حين يقرر الإبحار في مناطق الشعور الأكثر تعقيداً في النفس البشرية ، فالحديث عن الحزن ليس مجرد تداعي ذكريات ، بل هو مواجهة صريحة مع أسئلة الوجود والغياب والعاطفة الإنسانية . في هذا الفضاء الرقراق بين العتمة والضوء ، يطل علينا الكاتب والإعلامي محمود المناعي بمجموعته القصصية الجديدة (سارق الأحزان) الصادرة عن دار الرضا للتوزيع والنشر ، ليمسك بزمام الحكاية ويحول الألم إلى مساحة للتأمل والإدراك .
يحمل عنوان المجموعة (سارق الأحزان) دلالة إشراقية ذات ثقل فلسفي ، فسرقة الحزن هنا لا تعني الهروب منه أو إنكاره ، بل انتزاع وطأته واستبداله بقبس من الأمل يمنح الإنسان القدرة على البقاء . إنها عملية (سرقة نبلية) تهدف إلى تخفيف الحمولات الوجدانية التي نثقل بها كواهلنا .
ويأتي الاقتباس المدون على غلاف الكتاب الأخير ليعمق هذا المعنى بلغة ثرية بالصور والشجن :
ما أثقل الساعات حين تتوقف عقاربها فجأة ، وما أصدق الدموع التي تُحفر في الروح وشماً أبيض لا يمحوه الزمن ، فنحن لا نألف الأمكنة بأعتابها ، بل بما تتركه فينا من أثرٍ صامت يرفض أن يموت .
إن التعبير عن الدموع بكونها (وشماً أبيض) يمثل مفارقة جمالية شفافة ، فالبياض رمز للنقاء والأمل ، حتى وإن كان محفوراً بحرقة الألم . أما التوقف الصامت للزمن ، فهو تلك اللحظة الفارقة التي ينكفئ فيها الإنسان على ذاته ليعيد اكتشاف عالمه الداخلي .
وبين الإعلام والسرد تجربة حياتية تسند القلم .. لا ينفصل النتاج الأدبي للكاتب محمود المناعي عن خلفيته الأكاديمية والمهنية ، فهو الحاصل على درجة الماجستير في الإعلام ، والذي يخوض ميدان العمل الإعلامي في إحدى الجهات الحكومية ، إلى جانب مقالاته الرصينة في عدة منصات إلكترونية أبرزها موقع (تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين) .
هذا الجمع بين العمل الميداني والسياسي من جهة ، والاشتغال بالسرد القصصي والحالات الإنسانية من جهة أخرى ، يمنح نصوصه واقعيةً حية ، فالإعلامي يرى التفاصيل التي قد يغفل عنها الآخرون ، والكاتب الأديب يصوغ هذه التفاصيل بكثافة شعورية تلامس القارئ من الداخل .
وقد تلخصت فلسفته الخاصة في تصريحه عن العمل حين تساءل:(كيف نستمر رغم كل شيء؟).. وهو السؤال الجوهري الذي يدور حوله الفكر الإنساني بأكمله ، إذ إن الاستمرار ليس مجرد حركة في الزمن ، بل هو موقف أخلاقي ووجداني يتطلب التوازن الحرج بين ذكريات المحن واستشراف الأمل .
تأتي مجموعة (سارق الأحزان) لتشكل إضافة لافتة للمشهد القصصي العربي ، حيث تلتقي فيها حرفة الإعلامي الشغوف بالتفاصيل مع حس الأديب المرهف المشغوف بالإنسان . إنها دعوة مفتوحة لكل قارئ كي يتأمل في أحزانه الخاصة ، لا ليتألم منها ، بل ليستخرج منها أسباب تعافيه وقوته .
نبارك للكاتب محمود المناعي هذا الأصدار المتميز ، ونترقب بشغف وصول هذا العمل إلى رفوف المكتبات ومعارض الكتاب ، ليكون زاداً لكل باحث عن الضوء في عتمة المسافات .




التعليقات