منطقة نيسان في قضاء الكوفة التابعة الى مدينة النجف الاشرف حيث تلك المنطقة التي تعيش فيها العوائل بين خط الفقر والستر خطوة بخطوة، استيقظت على صدمة لا تخطر على بال احد . جزار يبيع لحم الخنزير على أساس مواشي لناس بسطاء، يادوب يتدبرون أمور معيشتهم. الصدمة كانت كبيرة، وتؤذي الوجدان في مدينة مثل الكوفة والنجف الأشرف، لكن ما دار بعدها في وسائل التواصل والمنصات الإعلامية كان بمثابة جريمة ثانية لا تقل بشاعة عن فعلة الجزار.
المنصات الإعلامية — من تلك المعادية، إلى الصفحات المأجورة، وحتى الناقلين بجهل — تركوا الجاني وجريمته، وركزوا سهامهم على المدينة وأهلها. شاهدنا سيلاً من الشتائم والاعتداءات اللفظية والاتهامات الظالمة، وتحول الحدث إلى مادة دسمة لحملة ممنهجة لبث الاحقاد والكراهية يراد منها تشويه سمعة هذه البيئة على المدى البعيد. لكن لو تراجعنا خطوة إلى الوراء، سنقف عند هفوة كبيرة من الجهة الأمنية التي ألقت القبض على هذا الجزار.
الخبر جرى تسريبه لوسائل الإعلام قبل اكتمال التحقيقات وقبل صدور أي حكم قضائي يثبت الأدلة بشكل قاطع. هذا التسريب غير المدروس ترك الساحة مفتوحة للشائعات والأخبار (الملونة) والمضخمة، والنتيجة؟ السوق أصيب بالشلل، والخوف دخل إلى نفوس الناس، وضاعت المصداقية في تجارة لحوم يعتاش منها آلاف الشرفاء الذين لا ذنب لهم.
اما في الدول المتقدمة، عندما تقع جريمة تمس أمن الناس الغذائي، يتحفظ المسؤولون والخبراء على التفاصيل حتى تثبت الأدلة، وعندما يتحدث الإعلام، فحينها يصاغ الخبر بطريقة تسلط الضوء على المجرم نفسه حصراً، لكي لا تتأذى سمعة المدينة ولا البيئة الحاضنة له. أما جهاتنا الأمنية، فهي تحتاج فعلاً إلى مؤهلات إعلامية في كيفية إدارة الأزمات، ودراسة نفسية واجتماعية تجعلهم يدركون خطورة التسريب وأثره على المدى البعيد.ونعود للجزار.. ما الذي جعله يصل إلى هذا المستوى من موت الضمير؟ السالفة ليست جديدة، فهي تذكرنا بتجار الحروب في الزمن الماضي ، عندما كانوا يبيعون للناس نشارة خشب مصبوغة على أساس أنها شاي والكثير من الجرائم الغذائية التي واجهها الشعب العراقي، فطالما غاب الردع الحقيقي والمحاسبة الصارمة، فيحضر المثل الشعبي إذا كان رب البيت بالدف ناقرُ فشيمة أهل الدار كلهم الرقص .ولهذا فعندما يغيب الرقيب، تضيع الطاسة، وتصبح بطون الفقراء وسمعة المدن هي الضحية.




التعليقات