رسالة وجع والم الفراق… مزدانة بالصبر و ممزوجة بالدعاء ….


هنا وجه يكشف في لحظات المحنة معدن الإنسان ويستحضر في النفس معاني الصبر والرجاء والتسليم لله تعالى. 

ومن هذا المنطلق  كتب  الشيخ علي العلي…  رسالة إلى صديقه حامد الخفاف مدير مكتب سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني في بيروت ..  متمنياً له الشفاء العاجل، ومستحضراً في كلماته مع  وما اصابه بعد أن فقد فلذة كبده ونور عينه  ابنته (مريم ) حملته من معاني الابتلاء والصبر والثبات.


وفيما يلي نص الرسالة :-


بسم الله الرحمن الرحيم 


إلى صديقي الصدوق و نفسي التي بين جنبيَّ:


      ((حامد الخفّاف))


أسأل الله أن يلبسك ثوب العافية ويُتمّ عليك نعمة الشفاء ويجعل ما ألمّ بك عابرًا ثم يردّ إليك صحتك وقوتك ويقرّ أعيننا بك معافى سالمًا.


شفاك الله وعافاك وأمدّك بلطفه وقوّته


وبعد ______


ما بين حامد  الخفاف ومريم… 

       للبلاء وجهٌ آخر


اعلم أن لكلِّ امرئٍ نصيبًا من البلاء ولكلِّ نفسٍ امتحانًا يقدّره الله لها بعلمه وحكمته لا يسبق تدبيرَه ظنٌّ ولا يحيط بحكمتِه عقلٌ. 

فما نزل بالعبد من أمرٍ فليس خارجًا عن علم الله ولا جاريًا بغير تقديره وإن خفي وجه الحكمة واستترت غاية الابتلاء.


ومن أشدّ ما يُبتلى به الإنسان مرضٌ ينهك الجسد وسقمٌ يثقل الروح وألمٌ يطول ليله ويشقّ على النفس نهاره. 

وهناك يظهر معدن الصبر ويُعرف صدق التسليم فالمريض لا يملك دفع البلاء ولكنه يملك أن يواجهه بقلبٍ مؤمن ولسانٍ ذاكر  ونفسٍ مستعينة بالله على شدة المرض ومعاناة السقم. 

فالصبر في ساعة الألم ليس كلامًا يُقال وإنما منزلةٌ تُنال وعبادةٌ تُؤدّى وثباتٌ يرفع الله به الدرجات ويحطّ به السيئات.


وليس فقد الأحبة بأهون من وجع الأبدان بل إن في القلب من الآلام ما تعجز الكلمات عن وصفه ولا يخفف وطأته إلا الإيمان بالله والصبر على قضائه واليقين بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.


أبا مصطفى   لقد رأيتَ في أخيك مثالًا لذلك .

فقد صبر واستعان بالله تعالى على مصابه وتجلّد بقلب المؤمن بعد أن فقد فلذة كبده ونور عينه  ابنته (مريم )ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

وما كان ذلك المصاب بالهيّن ولا الفقد باليسير ولكنها منزلةٌ من الصبر لا يبلغها إلا من أعانه الله وثبّت قلبه وربط على فؤاده.


فإن كان المرض يوجع الجسد فإن فقد الولد يوجع القلب وإن كان السقم امتحانًا للبدن فإن الفقد امتحانٌ للروح وفي كلا البلاءين يكون الصبر زاد المؤمن والاستعانة بالله عدته والرضا بحكمه سكينته.


وإنما الشأن أن يلقى العبد ما نزل به بالصبر الجميل والرضا بحكم الجليل والطاعة فيما أمر والتسليم فيما قدّر فإن الصبر عند البلاء منزلة والرضا بالقضاء فضيلة والطاعة لله غاية الوسيلة. 

ومن أحسن الصبر وأخلص التسليم وأقام على الطاعة أدخله الله في زمرة الصابرين ورفعه في مصافّ المطيعين وأبدله بعد العسر يسرًا وبعد الكرب فرجًا.


وليس البلاء دائمًا علامة سخط ولا النعمة دائمًا أمارة رضا فقد يبتلي الله عبده ليطهّره ويؤلمه ليقرّبه ويحجبه عن شيء ليعطيه خيرًا منه ويأخذ منه ما يحب ليعلّمه أن المحبة الأولى والأبقى إنما تكون لمن بيده الأمر كلّه.


وعزاؤنا إذا اشتد البلاء وعظم العناء أن لنا في محمد وآله الطاهرين أسوةً حسنة وفي سيرتهم صبرَ المصابر ويقينَ المؤمن وتسليمَ العارف. 

فما من مصيبةٍ إلا ولنا فيها بهم عزاء ولا من محنةٍ إلا وفي ذكرهم دواء  ولا من طريقٍ إلى الله إلا ولهم فيه أثرٌ وضياء.


فطوبى لمن صبر فظفر وسلّم فأُكرم وأطاع فقرُب فإن عاقبة الصبر جبر وعاقبة الرضا أجر وعاقبة الطاعة قربٌ وذخر.


وحسبنا أن نعلم أن ربًّا حكيمًا لا يقدّر لعبده إلا ما يعلم فيه الخير وإن غاب الخير عن عين العبد وحسبنا من العزاء أن لنا محمدًا وآل محمد  بهم نستعين وبحبهم نستكين وإلى الله بهم نهتدي ونستعين.


دمتَ معافى موفورَ الصحة طيّبَ البدن سالمَ الدين في عافيةٍ من الله وفضل وحفظك الله من كل سوء وأدام عليك نعمةَ الصحة والسلامة


وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، وسلّم تسليمًا كثيرًا


أخوك 

علي العلي 

٢ / ربيع الاول / ١٤٤٨

الموافق  ١٦ / ٨ ٢٠٢٦

البصرة