حين نتحدث عن بغداد فإننا لا نقارن مدينة بمدينة ولا عاصمة بعاصمة بل نقارن روحا" نابضة بالحياة مع مدن قد تمتلك ناطحات السحاب لكنها تفتقد الدفء الذي يسكن الأزقة والوجوه.
بغداد ليست مجرد مكان على خارطة العالم بل حالة استثنائية لا يمكن اختزالها في تاريخها الممتد لآلاف السنين ولا في كونها عاصمة الرشيد أو مدينة الحضارة والثقافة إنها مدينة تتنفس الحياة كل يوم وتصر على أن تبقى شابة مهما أثقلتها السنون ومهما تعاقبت عليها الأزمات والحروب والتحديات.
هناك عواصم جميلة وأخرى منظمة وثالثة تتباهى بتقدمها العمراني لكن بغداد تتفرد بشيء لا يشترى ولا يصنع إنها تمتلك روحا" لا تشيخ ففي الوقت الذي تغلق فيه مدن كثيرة أبوابها مع حلول المساء تبدأ بغداد فصلا" جديدا" من يومها تمتد الحياة فيها حتى ساعات الفجر وكأن الليل فيها خلق ليكون امتدادًا للنهار لا نهاية له.
في بغداد لا تسير في شارع فحسب بل تمشي بين صفحات التاريخ من شارع المتنبي الذي ما زال يحرس الكلمة والكتاب إلى الكاظمية التي تفوح منها الروحانية والتاريخ ومن الكرادة التي تعج بالحياة إلى المنصور بأناقتها ومن الصدرية بأصالتها وأسواقها الشعبية إلى الأزقة القديمة التي ما زالت تحتفظ برائحة بغداد الأولى.
وفي كل زاوية حكاية وفي كل مقهى ذاكرة الزهاوي والشابندر ورضا علوان والبيروتي وكهوة وكتاب وغيرها من المقاهي التي جمعت الأدباء والسياسيين والفنانين والشباب والعائلات لتصبح أكثر من أماكن للجلوس بل فضاءات للحوار وصناعة الذكريات وملاذا" لعشاق بغداد.
ولعل أكثر ما يلفت الزائر أن البغداديين يعشقون الحياة ببساطتها يحبون أن يجتمعوا حول مائدة طعام وأن تمتلئ المطاعم بالعائلات حتى ساعات متأخرة من الليل وأن تتحول الأسواق إلى لوحات من الحركة والألوان يعشقون الأناقة كما يعشقون الضحكة ويؤمنون بأن الحياة تستحق أن تعاش مهما كانت الظروف.
بغداد مدينة لا تستسلم كلما حاولت الأحداث أن تنال منها خرجت أكثر قوة وأكثر تمسكا"بالحياة وكأنها تعلمت من دجلة أن الماء لا يتوقف عن الجريان ومن نخيلها أن الانحناء للعاصفة لا يعني الانكسار.
قد تمتلك عواصم العالم إمكانات أكبر وشوارع أوسع ووسائل نقل أكثر تطورا" لكن بغداد تمتلك ثروة لا تقاس بالأرقام وهي الإنسان البغدادي ذلك الإنسان الذي ما زال يؤمن بالجلسة مع الأصدقاء وبفنجان الشاي وبالقصيدة وبالأغنية وبالابتسامة التي تولد وسط أصعب الظروف.
لهذا تبقى بغداد مختلفة ليست لأنها أجمل المدن فحسب بل لأنها أكثرها حياة مدينة لا يشيخ قلبها ولا تنطفئ أنوارها ولا يفقد أهلها قدرتهم على صناعة الفرح وستظل مهما تغير العالم العاصمة التي إذا زرتها مرة بقي جزء منك فيها وإذا غادرتها حملت شوقها معك إلى آخر العمر.
التعليق عبر فيسبوك