كتب / جعفر محيي الدين _النجف
الحديث المتداول هذه الأيام عن نصرٍ إيراني حاسم في الحرب (الصهيوأمريكية) يحتاج إلى قدر كبير من التروي قبل إطلاق الأحكام فما يجري على الأرض، حتى اللحظة، لا يرقى إلى توصيف النصر النهائي بقدر ما هو توقف مؤقت لإطلاق النار أو هدنة فرضتها طبيعة المواجهة وحدّة الضربات المتبادلة.
فالهدنة .. مهما حاول البعض تصويرها بوصفها نهاية المعركة، تبقى في حقيقتها استراحة محاربين. وان تعاملت إيران، معها بوصفها خاتمة للصراع، فإن ذلك قد يحمل في طياته مخاطر كبيرة ،لأن هذه الهدنة تمنح الخصم أيضاً فرصة لإعادة ترتيب أوراقه.
فإسرائيل وامريكا، بعد الضربات الإيرانية الموجعة التي تعرضتا لها،فهما بحاجة إلى التقاط الأنفاس واستعادة التوازن العسكري والسياسي، وهذا ما حذرنا منه سابقاً في مقالنا الاخير حول استهداف القادة الايرانيين ،حين تحدثنا عن خطورة الركون إلى هدنة غير محسومة النتائج.
وإن ما تعكسه هذه المرحلة، بوضوح، هو تكافؤ نسبي في القدرة القتالية وحدّة المواجهة بين الجمهورية الإسلامية من جهة، والمحور الصهيو-أمريكي من جهة أخرى ،لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الحرب ليست جولة شكلية كما شهدنا في الامس القريب، فهي اليوم حرب من نوع آخر وهي حرب يمكن توصيفها ببساطة قاسية كن أو لا تكن. كما يقول المثل الشعبي المصري ..(اللي ميرضاش بيك كحل في عينه متلبسهوش جزمة في رجلك)… فكل الأطراف الآن تعلمت درسها من التجارب السابقة، وأصبحت أكثر حذراً في حساب خطواتها وموازين القوى.
فإيران اذا كانت ترى نفسها قد حققت نصراً فعلياً، فإن منطق هذا النصر يقتضي أن تستكمل الحرب حتى تحقيق الأهداف التي صبرت عليها لأكثر من خمسة عقود، وهي أهداف ليست كما كانت يوماً مرحلية أو محدودة. أما إذا كانت امريكا تعتقد أنها تمسك بخيوط النهاية، فهذا يعني أن الحرب لن تتوقف فعلياً، لأن إيران بحكم طبيعة مشروعها وقدراتها فهي ليست دولة يمكن إنهاكها أو إخراجها من المعادلة بسهولة.
كما إن مجمل المعطيات التي تتكشف اليوم تشير إلى أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة التفاوض وإعادة ترتيب موازين القوة بعد المواجهة العسكرية المباشرة. فالمقترحات المطروحة، سواء ما يتعلق بالضمانات الأمنية لإيران أو رفع العقوبات أو الترتيبات الاقتصادية المرتبطة بمضيق هرمز، تكشف أن الصراع انتقل من ميدان الضربات العسكرية إلى ميدان صياغة التوازنات الجديدة.
وتشير هذه المعطيات أيضاً إلى أن المفاوضات الجارية لا تهدف فقط إلى تثبيت وقف إطلاق النار، فهي تتجاوز ذلك نحو رسم معادلة نفوذ جديدة في الشرق الأوسط، تقوم على إعادة تنظيم انتشار القوات العسكرية وتحديد حدود التأثير بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها امريكا وروسيا وإيران.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري ليس مجرد تفاوض تقليدي لإنهاء أزمة شكلية ، فهو تفاوض على شكل النظام الإقليمي القادم .. حيث يبدأ من أمن الممرات البحرية الحيوية، إلى مستقبل العقوبات والاقتصاد، وصولاً إلى توزيع الحضور العسكري في الخليج وبلاد الشام. وهي مؤشرات تدل على أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة قواعد الصراع والتوازن، بعد أن أثبتت المواجهة العسكرية حدود القوة لدى جميع الأطراف. وكما يقول المثل الشعبي المصري.. (اللي اتلسع من الشوربة ينفخ الزبادي) … فكل الأطراف المعادية لايران الآن تعلمت درسها من الضربات السابقة، وتتعامل بحذر أكبر في صياغة التوازنات الجديدة.
وفي مثل هذه الترتيبات لا يكون الهدف إنهاء الصراع بشكل كامل، بقدر ما يكون إدارة التوتر ومنع انفجاره المباشر، عبر توزيع النفوذ العسكري بطريقة تفرض معادلة ردع متبادل. غير أن هذه المعادلة، إن تشكلت، لن تعني بالضرورة استقرار دائم، انما قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، تتبدل فيها أدوات المواجهة من الحرب المباشرة إلى صراع النفوذ وترتيب المواقع في المنطقة.
أما تركيا .. التي تحاول اليوم أن تظهر بمظهر الطرف الحاضر في المعادلة، فإن حضورها يبدو في نظر كثير من المراقبين أقل تأثيراً مما كان عليه في مراحل سابقة. فخطابها السياسي التقليدي لا يقابله اليوم وزن فعلي مماثل في الميدان. ولعل توصيف حالها في المشهد الإقليمي اليوم يشبه ما يقال .. إن غابت لا تفتقد، وإن حضرت لا تعد.
وفي حال ان شهدت الساحة السورية تطورا عسكريا جديدا، خصوصاً إذا جاء بضغط روسي، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بأن أنقرة ستتمكن من لعب الدور نفسه الذي كانت تمارسه في السنوات الماضية.
وهكذا تبدو الصورة، بعيداً عن الكلمات الرنانة المتعجلة فالحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وما يجري الآن ليس نهاية الطريق، فهو فصل آخر من صراع طويل ما زالت معادلاته تتشكل تحت وقع النار والسياسة.
التعليق عبر فيسبوك