19
مارس
2026
إيران والصراع من أجل البقاء .. حرب وجودية ضد المشروع الصهيو-أمريكي !!! جعفر محيي الدين _النجف
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 66

الحرب كما وصفها ابن  الشاه بهلوي الذي يمني النفس بالعودة الى الإمبراطورية الشاهنشاهية، بالرغم من سذاجته، إلا أن الوصف كان دقيقاً في جوهر الصراع، فهو يلتقط طبيعة المواجهة كحرب وجودية على المصالح والسيطرة والوجود، وليست مجرد مواجهة شكلية. هذه الحرب بين إيران والمحور الصهيو-أمريكي أشبه بالحرب الصليبية، لا تقبل القسمة، وستستمر بطرق أخرى اذا توقف اطلاق النار فيها، إلى حين يقضي أحد الطرفين على عدوه. كما ان مصلحة الأمة كلها في انتصار إيران المطلق، لأن البديل يعني الفراغ الاستراتيجي الذي سيسمح للمحور الصهيو-أمريكي بتنفيذ خططه دون معارضة، بما يشمل السيطرة على الأراضي، والقضاء على المقاومة، وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحهم فقط، وهو ما يجعل الوضع كارثياً على الأمة وشعوبها.

وأي محاولة لوقف إطلاق النار أو هدنة لن توقف مسار الصراع الحقيقي، انما في الغالب تكون من صالح إسرائيل وأمريكا، لان ستمنحهم فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم وتجهيز خططهم، مما يمنح المحور الصهيو-أمريكي أفضلية استراتيجية واضحة.

وهذا لا يوجد الان في قاموس إيران لأنها في الواقع تواصل صراعها دون توقف، فهذه الحرب اندلع  لأن إسرائيل وأمريكا تواجهان خطر وجودي يتمثل في الحلف المقاوم بقيادة الجمهورية الإسلامية، فإذا قضت إسرائيل على الحلف المقاوم داخل إيران، أو حصلت على هدنة مؤقتة، فإنها لن تكتفي بذلك، انما ستسعى لإزالة الخطر الآخر، وهو حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والحوثيون في اليمن، والفصائل المساندة في العراق، وكل خطوة تمثل جزء من استراتيجية المحور الصهيو-أمريكي لضمان الهيمنة على المنطقة وتقويض أي تهديد لمشروعهم.

وبعدها ستلتفت إسرائيل إلى غزة لتعاود تهجيرها والسيطرة على أي حركة معارضة للمشروع داخلها، وهذا يوضح أن السيطرة على الأراضي الحيوية هي جزء من المخطط الأوسع، وأن الحرب لا تقتصر على القضاء العسكري على الخصوم، فهي تشمل إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي بما يخدم أهداف المشروع. وحتى إذا نجحت إسرائيل في القضاء على مقاوميها المباشرين، فإنها ستنقلب على أصدقائها لا محالة، وهذا ما يعكسه صريحاً نتنياهو عندما يقول إنه سيغير خارطة المنطقة، بدءاً من مصر التي تعد الأولى في الطابور المستهدف لقربها من غزة، حيث تضرب اتفاقية السلام عرض الحائط إذا اقتضت مصالح المشروع الاستراتيجي.

فالسبيل الوحيد لإنقاذ المنطقة من مخاطر المشروع الصهيو-أمريكي هو إحداث تغيير جذري في النظام السياسي الإسرائيلي الآن. وهذا المشروع لا يقتصر تأثيره على مصر وحدها، فهو يمتد أيضاً ليشمل الأردن وسوريا بالرغم من صداقتهما الحميمة مع إسرائيل، وتليهم تركيا بعدهم، لأن إسرائيل تعتبر تركيا بالتحديد تهديد مباشر لوجودها. كما صرح أردوغان مؤخراً، المقاومة في فلسطين تمثل خط الدفاع الأول للأناضول.

فإن أهمية هذا السبيل تكمن في أنه يمثل الخيار الواقعي الوحيد لإعادة التوازن الإقليمي، ويمنع إسرائيل من الاستمرار في تنفيذ سياساتها الأحادية التي تهدد مصالح الدور الايراني والدول المجاورة. وأي تغيير جذري في النظام السياسي الإسرائيلي وفق هذا السبيل يعني إعادة ضبط السياسات، الحد من التصعيد، وإتاحة الفرصة للمنطقة لتقليل المخاطر وتحقيق استقرار نسبي. كما أن الحل الأمثل للأزمة الراهنة لا يمكن أن يأتي إلا من خلال هذا المسار، لأنه وحده القادر على حماية مصالح الدول والشعوب في المنطقة ومنع المشروع الصهيو-أمريكي من استغلال الفراغ أو الصراعات الداخلية لتحقيق أهدافه.

لذا أقول إن الحرب اليوم هي حرب وجودية، وقد وصلت  إلى حالة من الخطر الذي يقع على المقاوم والمسالم على حد سواء، فكل العرب في نظر إسرائيل فلسطين. وهنا يظهر التحدي بالنسبة لدول الخليج، فموقفهم اليوم متباين ،فبعض الدول تحاول الابتعاد أو التفاوض في الظاهر، لكن إسرائيل لا تعترف بالحياد أو الصداقة، وأمريكا لا تعتبر هذه الدول حلفاء حقيقيين في هذا الصراع. ولهذا فإن أي غموض أو تردد في دعم الدور الايراني يجعلها عرضة لضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، وقد تستغل إسرائيل هذا التشتت للتحكم في القرار الخليجي بما يخدم مشروعها الإقليمي.

أما بالنسبة للضربات الإيرانية على منطقة الخليج، فهي لا تستهدف السياسة الخليجية شخصياً، انما تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة. وهذا يوضح أن أي فعل أمريكي أو إسرائيلي من أراضي الخليج لا يمكن أن تمر بلا رد فعل من إيران، فلكل فعل ردة فعل محسوبة. كما ان الصداقة مع الأمريكيين أو الإسرائيليين لا تعطي الحماية المطلقة، لان نتائجها تظهر في إطار الصراع الإقليمي، وأي محاولة للتقليل من الدور الإيراني أو الابتعاد عن محور المقاومة تجعل هذه الدول تحت تأثير مباشر للصراع.

وبناءً على هذا الواقع الاستراتيجي، يصبح واضح أن الخليج لابد أن يعود إلى أحضان الشرق الأوسط. الحضن الغربي لم يعد يوفر الأمان الذي كان موجوداً في السابق، والاعتماد الكامل عليه لم يعد ضمان للحماية، فهو أصبح يفتح المجال لتأثير مباشر على القرار والسياسات الخليجية. فالعودة إلى البيئة الإقليمية، والمشاركة الفعلية في محور المقاومة والتوازنات الإقليمية، هي السبيل الوحيد لضمان الاستقرار وحماية مصالح المنطقة في مواجهة المشروع الصهيو-أمريكي.

ولهذا السبب تطمح إسرائيل إلى تغيير النظام في إيران، لأنه يعد شريكا مستقبليا ومواليا لأمريكا وإسرائيل مقارنة بأي نظام آخر في المنطقة، ويكون أكبر من وجود ممن يحسبون انفسهم اصدقاء او حلفاء في المنطقة، لأن إيران تمثل البوابة الأخيرة للمشروع الصهيوني، كما كان العراق بوابة الشرق عند بدء المشروع منذ عام ٢٠٠٣، وهذا يوضح أن الرهان على إيران ليس مسألة شرف أو دين أو وطنية فحسب، انما مسألة بقاء وجودي للأمة وللتوازن الإقليمي، والرهان عليها سيكون رابحاً إذا لم يخذل بعضنا البعض.

وفي حال بلغت إسرائيل مرادها من هذه الحرب، فلن تبقى لأي دولة عاصمة، فلا مجال للحياد في هذا الأمر، لأنها ستملك زمام المبادرة عندها، وعليه من الضروري اليوم تحديث المنصات التي تجمع العالم الإسلامي، لتصبح أدوات فاعلة في توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، وتنسيق المواقف بدل التشتت، حتى لا يفلح العدو في هذه الحرب العامة إلا إذا أصبحت الحرب عامة. كما أنه ومن الضروري أيضاً قطع الطريق أمام تجار السلاح، لأنهم في الواقع يمثلون امتدادا مباشرا للمشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة. لان تجارة السلاح لا تقتصر على المسدس والبندقية فحسب، فهي تشمل التلاعب بالأسواق، وخلق أزمات، وثم استغلال الصراعات السياسية والعسكرية لصالح الهيمنة الخارجية. فهؤلاء التجار ليسوا محايدين، انما يعملون كأدوات استراتيجية تسمح للعدو بالتحكم في السياسات الداخلية والخارجية للدول، واستنزاف الموارد، وإطالة أمد الصراعات، بما يحقق مصالح المحور الصهيو-أمريكي.

بالتالي، أي تحرك واقعي لحماية مصالح الأمة والمنطقة لا يمكن أن يغفل هذا البعد الاقتصادي والسياسي. فقطع الطريق أمام هؤلاء التجار ليس مجرد إجراء أمني، بقدر ما هو جزء من المعركة الشاملة لمواجهة المشروع الصهيو-أمريكي، وضمان أن تكون القوة والسيطرة في المنطقة بيد أصحاب المصلحة الحقيقيين وليس في أيدي أدوات خارجية تعمل لصالح أجندة الهيمنة.

كما الواقع اليوم يظهر بوضوح أن استمرار التشتت في المواقف يعطي الفرصة لمن يريد استمرار النزاع وتحقيق مصالحه، وأن الرهان على وحدة الصف وفهم طبيعة الحرب وربط الصراع العسكري بالبعد الاقتصادي والسياسي هو السبيل الوحيد لفهم التحولات القادمة في المنطقة، وبدون هذا الفهم يصبح الجميع عرضة لأن تكون القرارات الاستراتيجية تحت سيطرة من يستفيد من استمرار النزاعات، مما يجعل وحدة الموقف والوعي بمصالح الأمة ضرورة وجودية لا يمكن تجاهلها.

 

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار