8
يوليو
2024
العمالة العراقية .. الواقع .. التحديات .. آفاق المستقبل ..بقلم : نعمة العبادي/ النجف
نشر منذ 1 اسابيع - عدد المشاهدات : 75

على الرغم من الدلالة الواسعة لمفهوم (العمل والعامل) في أصل اللغة ، حيث ينطبق على كل من يقوم بعمل ذي معطى مادي او معنوي مقابل أجور أو بشكل طوعي إلا أن هذا المفهوم تضيق ليشمل طبقة محددة في مقابل الموظفين و التجار و فئات أخرى ، أخرجت من دائرة الدلالة و قد أهتمت الأدبيات الماركسية و عموم اليسار بهذا المفهوم ، و كان أحد محاور حركتها الفكرية و السياسية مع أن أجيالها الجديدة ، ذهبت الى صيغ توفيقية بعد نكوص بعض التجارب الشيوعية .

بعيداً عن النقاش المفاهيمي ، تعنى هذه المقالة بواقع العمالة العراقية (بحسب المفهوم المتداول) و تنظر في تحديات الواقع ، و تؤشر لها و تحاول تلمس بعض المقاربات التي يمكن أن تساهم في مواجهة هذه التحديات و تحسين واقع العمالة .

يعد العراق اليوم من أكبر أسواق العمل نتيجة ل (معدل مستوى الدخل لغالبية أفراد المجتمع ، حجم الطلب المتزايد على العمالة جنون النزعة الإستهلاكية الرفاهية الوهمية ، توسع قائمة الضرورات) ، و التي يمثل بعضها ظروف موضوعية لخلق فرص عمل كبيرة ، فيما يشكل الجزء الآخر (غير الموضوعي) ، على الأقل (أسباباً دافعة) لمزيد من الطلب على العمالة .

و في ظل سلسلة من الظروف و السياسات التي مر بها البلد ، تكاد تكون كل السلع مستوردة ، فحتى خطوط الإنتاج الصغيرة ليست بمستوى المنافسة مع المستورد لجهتي الجودة و السعر ، فضلاً عن التلاشي التدريجي للمصانع و المعامل و ورش العمل ، بل و حتى المحلات البسيطة التي كانت تقدم بعض الأعمال ، مثل الخياطة و صيانة الأجهزة و المعدات ، صارت من الماضي و استبدلت ببوابات جديدة للمزيد من بيع السلع ، و هكذا تناقصت ساحات العمل (بعمالة عراقية) لصالح عمالة أجنبية معظمها غير شرعي ، يتقدمها البنغاليون و الباكستانيون و الهنود و السوريون و الأيرانيون و جنسيات أخرى ، فهذا النوع من العمالة مفضل بشكل كبير عند أرباب العمل ، بل و حتى لدى المواطن ذي الحاجة المحدودة لجهة ( رخص الكلفة ، جودة العمل ، قدرة التحمل ، سلوك العامل ، حجم التبعات المترتبة على العمل ، ضمان الأستمرارية و دوام العمل ، الجوانب الإجتماعية المتعلقة بطبيعة التعامل مع العامل ، ضمان سرية و حفظ خصوصيات العمل) ، الأمر الذي بلور جملة ذات صدى و أيقاع عالي الصوت ، عندما تسأل رب العمل عن سبب عزوفه عن العامل المحلي ، يجيب بلا تردد : "شلي بشلاع الگلب" و هي إشارة تكشف التذمر و العزوف عن العمالة المحلية .

يتجه العراقيون بمختلف (توجهاتهم ، أعمارهم ، درجة تعلمهم ، خبراتهم و قدراتهم) الى التوظيف في القطاع العام ، فهناك قناعة راسخة لدى معظم المجتمع ، أن الدولة ملزمة بتوظيف الكل ، سواء كانوا ضمن الحاجة أو خارجها ، و تعد الوظيفة في نظرهم المستقبل الآمن و الحاضر المريح ، لكونها توفر راتباً مستقراً شهرياً بغض النظر عن مقداره ، كما أن العمل في الوظيفة مريح و غير متعب ، فضلاً عن الضمانات الأخرى مثل التقاعد و الحصول على القروض و السلف و المكانة الأجتماعية ، و الخطير في الموضوع ، حتى الذين يلتحقون بالوظيفة بعناوين يفترض أن يكون منتجها نحو من العمل ، مثل الأقسام الفنية و الصيانة و عمال الخدمة ، يتصرفون كموظفين مكتبيين ، و تضطر المؤسسات الى إستئجار خدمات عمل من خارج الدوائر ، و هكذا نحن أمام قطاع عام ، هو الأضخم عالمياً بالقياس الى نسبة السكان ، و حجم الميزانية التشغيلية المخصصة له .

تواجه العمالة العراقية جملة تحديات و معوقات تتمثل في الآتي :

- العزوف النفسي لدى معظم العمال عن فكرة العمل ، نتيجة لغياب الضمانات المستقبلية ، و عدم إستقرار سوق العمل و غياب التجسيد الواقعي للقوانين  في حياة العمل ، و الركون الى راحة الوظيفة خاصة و أن هناك سمعة مركوزة في الأذهان بأن الموظف العراقي معدل عمله الحقيقي لا يتجاوز ال ( 60 ) دقيقة في اليوم و حجم مردوداتها ، فضلاً عن خلل المنظور الإجتماعي للعمل مقابل صعود نجم الوظائف .

- تناقص الخبرات بل تلاشيها ، فلم نعد نسمع بالحرفيين و أصحاب المهارات إلا ما ندر ، و لم يعد لصغار العمل رغبة التعلم لدى (الأسطوات الكبار) ، فكثيراً ما كررت نحن لسنا أمام بطالة ، بل أمام عمالة ليست ذات خبرة ، فما أكثر حاجات العمل الموجود في المجتمع مقابل الخبرات المحدودة ، و يظهر ذلك جلياً بحجم الطلب الكبير على الأشخاص الذين يقدمون أعمالاً بخبرات جيدة ، فمثلاً عليك أن تنتظر الدور لأشهر حتى تحصل على فرصة عند (خياط ماهر ، أسطة بناء أو تطبگ سيراميك أو عموم الأرضيات ، كهربائي ، مصلح سيارات ،....)، الأمر الذي يكشف أن الخلل في نوع الخبرات و ليس في فرص العمل ، و في سياق هذه النقطة ، أشير الى ذوبان و تلاشي فكرة المدارس و الأعداديات المهنية ، مثل الصناعة و الزراعة و التجارة و المعاهد الفنية ، و التي كان مشروعها بالأساس موجه لإنتاج عمالة ذات خلفية علمية جيدة و مهارات عملية ، لتكون مناسبة لسوق العمل ، إلا أن هذه الأعداديات و مع أحترامي للأستثناءات المحدودة ، صارت فرصة لمن لا يفلح في الدراسة بالمدارس الثانوية و الكليات ، و كذلك لتحصيل شهادة تساعد الموظفين ممن ليس لديهم شهادة ، في تحسين رواتبهم و تعديل أوضاعهم الوظيفية ، الامر الذي أنعكس على طبيعة الدراسة و مخرجاتها ، و هي قصة حزينة تحتاج مقالات منفصلة .

- نوع التربية و نمطها للأجيال الحالية و التي لم تعد مؤهلة للإنخراط بالعمل ، و تحمل المتاعب البدنية ، فضلاً عن مزاجها الصعب و المتوتر ، و الذي يجعلها غير مرغوبة في سوق العمل .

- قلق اصحاب العمل من التداعيات التي قد يتحملها جراء أي حالة أحتكاك مع العامل العراقي ، مثل الفصل العشائري و المشاكل الإجتماعية ، مما يجعلهم يفضلون العامل الأجنبي .

- وجود وفرة كبيرة من عمالة أجنبية معظمها غير مرخص ، بكلف عمل بسيطة و أنتاج أكبر و مهارات أفضل  و تداعيات أقل لذلك ، فالعامل الأجنبي مفضل خصوصاً في الكثير من الأعمال التي يأنف العامل العراقي العمل بها ،  مهما كان مستواه الإجتماعي و حاجته للمال .

أن هذه التحديات و المعوقات ليست الوحيدة التي تواجهها العمالة العراقية ، بل هناك مصفوفات أخرى لكننا أقتصرنا على العوامل الأبرز ، و في ظل هذه التحديات نحن أمام واقع و مستقبل خطير للعمل في العراق ، أقل ما يقال فيه ، هو الإعتماد الكلي على العمالة الأجنبية ، و الكل يعرف تداعيات هذا الخيار و ليس الخليج عنا ببعيد .

و من أجل تحسين واقع العمالة العراقية نقترح الآتي :

- توجه الدولة (تخطيطاً و تنفيذاً) بإتجاه تشجيع و تطوير الصناعة و الزراعة ، و إنشاء المعامل الكبيرة و خطوط الإنتاج الضخمة و إحياء المعامل و المصانع المندثرة ، الأمر الذي يوفر فرص عمل كبيرة ، تساهم بدورها في تنويع مصادر الواردات المعتمدة كلياً على النفط ، و تقلل من  الإعتماد في الإستهلاك على الخارج .

- وفي موازاة النقطة السابقة ، ضرورة العمل على إعادة المدارس و الأعداديات و المعاهد التي أسست لإنتاج عمالة مهنية ذات خبرة ، و تحسين و تطوير مناهجها ، و إجراء أختبارات مناسبة كشرط للقبول فيها ، مع إعطائها فرصة مضمونة للعمل في هذه المصانع و المعامل ، و كذلك إلزام القطاع الخاص بحصة عمل لخريجي هذه المعاهد و المدارس .

-إصدار القوانين و التشريعات الكفيلة بضمان حقوق العمال و توفير بيئة عمل آمنة لهم فضلاً من عن حقوقهم التقاعدية ، و تشجيع النقابات المهنية لتأخذ دوراً حقيقيا في الدفاع و رعاية حقوق العمال بعيداً عن الأنشغال بجمع الأشتراكات و الصراعات على المناصب و السفرات الخارجية و غيرها من المظاهر التي لا صلة لها بعمل النقابات (مع خالص التقدير للمخلصين) في.

- تشديد القيود على العمالة الأجنبية و حركتها ، و الأقتصار على الضروري منها .

- تشجيع ثقافة حب العمل و كرامة العامل و أهميته في المجتمع من خلال الإعلام و المنابر ،  و كذلك تضمين المناهج الدراسية ما يشجع على هذا التوجه .

أرجو أن تكون هذه السطور مقبولة كتحية تقدير و إحترام للعمال في يومهم العالمي .

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار