كتابة رحيم الحلي
يُعد الشاعر والصحفي العراقي كاظم السماوي، واسمه الحقيقي كاظم جاسر فرج، أحد أبرز الأصوات الشعرية العراقية التي ارتبطت بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والسلام. وُلد في مدينة السماوة، التي اتخذ من اسمها لقباً أدبياً، وظل يحملها في وجدانه طوال حياته، رغم عقود المنفى الطويلة التي استحق بسببها لقب "شيخ المنفيين العراقيين". وقد جمع في تجربته بين الشعر والصحافة والنضال السياسي، ودفع ثمناً باهظاً لمواقفه، لم يقتصر على السجن والتشرد، بل امتد إلى حياته العائلية التي شهدت فواجع إنسانية مؤلمة.
بدأ السماوي نشاطه الأدبي والسياسي في شبابه، متأثراً بالأفكار اليسارية وحركات التحرر الوطني، وانحاز في قصائده إلى الفقراء والكادحين والمضطهدين. أصدر ديوانه الأول "أغاني القافلة" عام 1950، ثم توالت أعماله الشعرية، ومنها "الحرب والسلم"، و"رياح هانوي"، و"رحيل الغريب"، و"إلى اللقاء في منفى آخر". وتميز شعره بالنزعة الإنسانية والروح الاحتجاجية ورفض الحروب والاستبداد، كما امتدت اهتماماته إلى قضايا الشعوب المناضلة من أجل استقلالها وحريتها. ولم يكن السماوي من الشعراء الذين يفصلون الأدب عن الحياة، فقد آمن بأن القصيدة موقف أخلاقي، وأن مسؤولية الشاعر لا تنتهي عند حدود الجمال الفني، بل تشمل الدفاع عن كرامة الإنسان.
تعرض السماوي للملاحقة السياسية، وأُسقطت عنه الجنسية العراقية عام 1954 في عهد نوري السعيد، عندما كان موجوداً في لبنان، فانتقل إلى المجر وأقام في بودابست حتى عام 1958، حيث أكمل دراسته الجامعية وتعرّف إلى الأوساط الأدبية والثقافية الأوروبية. وبعد ثورة 14 تموز عاد إلى العراق واستعاد جنسيته، وتولى إدارة الإذاعة والتلفزيون بين عامي 1959 و1961، كما ارتبط اسمه بصحيفة "الإنسانية" التي أسسها عام 1956. لكنه لم يتخل عن استقلالية موقفه السياسي، وتعرض للاعتقال بسبب آرائه وانتقاداته.
وبعد انقلاب 8 شباط 1963 وما رافقه من حملات اعتقال واضطهاد، غادر العراق عام 1964 إلى ألمانيا الشرقية، حيث عاش في برلين حتى عام 1973. وعاد إلى بغداد خلال فترة الجبهة الوطنية، آملاً بانفراج سياسي يسمح له بالعمل الثقافي والصحفي، غير أن تصاعد التضييق على القوى الديمقراطية دفعه إلى مغادرة البلاد مجدداً عام 1977، متوجهاً إلى الصين، حيث أقام ثلاث سنوات. ثم انتقل إلى لبنان بين عامي 1980 و1982، ومنها إلى سوريا، حيث عاش في اللاذقية حتى عام 1984، قبل أن ينتقل إلى قبرص ويقيم فيها نحو تسع سنوات. وعاد إلى سوريا عام 1993، وظل فيها حتى صيف 1996، عندما وصل إلى السويد واستقر في ستوكهولم، لتكون محطته الأخيرة بعد رحلة طويلة بين العواصم والمنافي.
ولم تكن الغربة وحدها مأساة السماوي، فقد شهدت حياته العائلية سلسلة من الفواجع القاسية. تعرض ابنه رياض للاختطاف في بغداد، ثم زُج به في الحرب العراقية الإيرانية، وتوفي لاحقاً بعد إصابته بالسرطان.
وفي عام 1991 اغتيل ابنه نصير في العاصمة الصينية بكين، في حادثة نُسبت في شهادات منشورة إلى جهات مرتبطة بالنظام العراقي السابق. وكانت خسارته صدمة مدمرة للأسرة، إذ توفيت زوجته بعد ذلك، متأثرة بالحزن على ابنها. ولم تتوقف المآسي عند هذا الحد، فقد توفيت ابنته تحرير، التي عُرفت بنشاطها الثقافي والصحفي، في لندن عام 2008 بعد إصابتها بالسرطان. وهكذا وجد الشاعر الذي أمضى حياته مدافعاً عن الإنسان نفسه وقد فقد زوجته وأبناءه، وبقي وحيداً في شيخوخته، محاطاً بذكريات الأحبة الذين غابوا إلى الأبد.
أمضى السماوي سنواته الأخيرة في شقة صغيرة بمنطقة سكارخولمن في ستوكهولم، حيث عاش حياة هادئة، لكنها كانت مثقلة بالوحدة والحنين إلى العراق. ورغم ما وفرته السويد من أمان واستقرار، فإنها لم تستطع تعويضه عن دفء العائلة والأصدقاء والوطن. وقد عبّر في أحاديثه عن قسوة المنفى، مستشهداً بقول الشاعر التركي ناظم حكمت إن المنفى مهنة شاقة. وكان يدرك أن الغربة ليست مجرد ابتعاد عن المكان، بل فقدان تدريجي للعلاقات الإنسانية والذكريات المشتركة التي تمنح الحياة معناها.
ترك السماوي منجزاً شعرياً وصحفياً مهماً، عكس تحولات العراق السياسية والاجتماعية خلال القرن العشرين، وعبّر عن تطلعات الشعوب إلى الحرية والسلام. وإذا كان بعض النقاد قد رأوا أن الالتزام السياسي المباشر طغى أحياناً على الجوانب الجمالية في قصائده، فإن تجربته ظلت شاهداً على مرحلة كان فيها الشعر جزءاً من النضال الفكري والاجتماعي. وقد تميزت أعماله بوضوح اللغة وصدق العاطفة والانحياز إلى الإنسان، فضلاً عن حضور المنفى بوصفه تجربة شخصية ووطنية عميقة.
توفي كاظم السماوي في ستوكهولم يوم 15 آذار 2010، وبعد رحيله نُقل جثمانه إلى العراق بتوجيه من الرئيس جلال الطالباني، ودُفن في مقبرة سيوان بمدينة السليمانية يوم 25 آذار، لتكون عودته الأخيرة إلى الوطن الذي حُرم من العيش فيه معظم سنوات حياته.
لقد جسدت حياة كاظم السماوي مأساة جيل من المثقفين العراقيين الذين دفعتهم الأنظمة الاستبدادية إلى المنافي، فخسروا سنوات العمر والأهل والأصدقاء، لكنهم احتفظوا بقناعاتهم وأحلامهم. رحل الشاعر الذي حمل اسم السماوة إلى العالم، وظل العراق حاضراً في قصائده وذاكرته حتى النهاية. وإذا كانت الغربة قد سلبته طمأنينته وأحبّته، فإنها لم تستطع أن تسلبه إيمانه بالحرية والعدالة وكرامة الإنسان، فبقيت تجربته الشعرية والحياتية شهادة مؤثرة على زمن عراقي مثقل بالاضطهاد والحروب والمنافي.




التعليقات