«دوخني سبع دوخات» … مثل شعبي قديم نردده كلما احترنا في أمر أو تكاثرت علينا المشكلات حتى فقدنا القدرة على معرفة أول الخيط من آخره وللمثل حكاية تروى عن شيخ عشيرة ابتلي بقوم لا أول لـ«طلايبهم» ولا آخر حتى صار نهاره شكاوى وليله تفكيرا في حلول لا ترضي أحدا .

تقول الحكاية ان عددا من رجال العشيرة طلقوا زوجاتهم لأنهن لم ينجبن البنين، وكأن أمر الانجاب قرار تتخذه الزوجة، فيما تعقدت أحوال الزواج وتكاثرت الاعتراضات وأصبح الشيخ يدور بين المطلقات والغاضبين والباحثين عن ولد لا يأتي !

ولم تكن شؤون الزواج وحدها مصدر الدوخة فقد كان أبناء العشيرة يتبادلون التمر بالخراف والنوق، وهنا تبدأ حكاية أخرى كم خروفا تساوي هذه الكمية من التمر؟ واذا كان التمر رديئا فبماذا يستبدل؟ وهل تبادل الناقة «المعشرة» كما تبادل الناقة العادية، أم ان للجنين حسابا آخر في ميزان التجارة؟

أسئلة تتوالد وخصومات تتكاثر وشيخ ضاق صدره حتى بلغ به التعب حد الجزع، فشد الرحال الى حكيم محنك في بلدة بعيدة لعله يجد عنده مخرجا من هذه الدوامة .

استمع الحكيم الى شكواه، ثم اقترح عليه وصفة بسيطة بدلا من أن يدوخوك، تولّ أنت تدوِيخهم!

كيف؟ اجعل لكل حل ثمنا ولكل مشكلة ضريبة ولكل طلب بابا لا يفتح الا بمقابل، تحل لهم مشكلة الزواج، فتكون حصّتك زوجة وتفصل في تجارة التمر، فيكون نصيبك خروفا أو ناقة، وهكذا يصبح انشغالهم بما سيدفعونه أكبر من انشغالك بما يطلبونه!

عاد الشيخ مطمئنا، وبدأ تطبيق الوصفة فارتاح هو ونوابه ومستشاروه، ودخلت العشيرة في سبع دوخات، وصار كل حلّ يفتح مشكلة، وكل مشكلة تحتاج إلى حلّ جديد وضريبة جديدة!

واذا بدت الحكاية قديمة، فان دوختها ما زالت طازجة وتشبه «دوختنا» إلى حدّ مؤلم، يوم مع الكهرباء والمولدات ويوم مع ارتفاع الدولار، ثم تأتي الدراجات والتكتوك تدخل رسميا وتباع علنا ويشتريها المواطن من ماله، قبل أن يجد نفسه حائرا بين إجازة دخولها وإجراءات مصادرتها!

وتليها دوخة رسوم الجواز الالكتروني وأقساط الجامعات الأهلية واجراءات الضمان الصحي والماستر كارد، ومعاملات بيع الدور والسيارات وتسجيلها، أبواب كثيرة وأوراق أكثر ومواطن يحمل ملفه ويدور حتى ينسى المعاملة التي خرج من بيته لانجازها!

ولو واصلنا التعداد، لوصلنا إلى الدوخة رقم مئتين في ساعة واحدة، ولاضطررنا إلى تغيير المثل لأن «سبع دوخات» لم تعد تفي بالغرض، ولا تعبر عن حجم التطور الذي أصاب صناعة تدوِيخ الناس!

المواطن يريد خدمة واضحة وإجراء مفهوما، ورسما يعرف مقداره وسببه، لكنه يجد نفسه في امتحان يومي للصبر، يدفع من جيبه ووقته وأعصابه، ثم يعود إلى بيته شاكرا لأنه خرج من الدوامة بختم!

همسة…

وعلى طاري الدوخة، استمعت قبل يومين إلى أحد الناشطين على فيسبوك، ممن أخذوا يظهرون مؤخرا في بعض البرامج الرياضية، وهو يتحدث عن عمل اللجنة الأولمبية، ويفند ويحلل ويوزع الأحكام يمينا ويسارا

وفي ختام اللقاء، وبعد كل ذلك الشرح والتحليل تحدث عن اتحادات الملاكمة والتايكواندو والفروسية قائلاً «أمنيتي أعرف هذه الاتحادات أولمبية لو لا؟» .

هنا اكتملت الدوخة فمن يتصدى لتقييم مؤسسة، يفترض أن يعرف أولا أبسط المعلومات عن الاتحادات التي يناقش عملها!

شر البلية ما يضحك وبعض التحليل يضحك ويدوخ أيضا .