إذا جلسنا وفكرنا بالذي يحدث حولنا في المنطقة بعيداً عن التعقيدات، سنكتشف بسرعة أن اللعبة كلها لا تدور حول مذاهب أو أفكار، بقدر ما حول الخرائط وصراع الجغرافيا التي ترسمها الاطراف الدولية المهيمنة خلف الكواليس. والأهم من الخارطة نفسها، هو وجود ( السياسة الموافقة ) والمؤيدة لهذه المشاريع، فالرضا السياسي التام يعتبر اليوم من أولى أولويات واشنطن لضمان تمرير المخططات وإرضاء إسرائيل وتأمين نفوذها. ولأجل أن نفهم واقعنا في العراق بشكل صحيح وبسيط، يجب أن ننظر إلى سوريا ونقارن بين الأمس واليوم حتى نفهم الدرس جيداً. في السنوات الماضية، كان النظام السابق في سوريا بقيادة بشار الأسد يواجه اتهامات كثيرة بالعمالة والتبعية من كل حدب وصوب. لكن لو نظرنا للموضوع من زاوية المواطن البسيط، سنجد المعادلة مقلوبة ، فرغم كل تلك الضغوط السياسية والاتهامات، كان الشارع السوري يعيش في ظل اقتصاد هادئ ومستقر إلى حد ما. الأسواق كانت في حركة مستمرة، والعملة مستقرة، والمواطن كان قادر على تدبير أمور معيشته اليومية بدون هذه الهزات العنيفة. أما اليوم، وبعد التغييرات الأخيرة وانتهاء حكم الأسد، وتسلم  أحمد الشرع لإدارة البلاد بدعم ومساعدات واضحة من أمريكا وتركيا ودول الخليج، صرنا نرى واقع مختلف تماماً. حال سوريا اليوم أصبح أصعب وأتعس من ذي قبل، ولم تتحقق الوعود بالرخاء والاستقرار.

وهذا المشهد المقلق يضع الشارع العراقي وجهاً لوجه أمام تساؤل يحمل الكثير من الهواجس والمخاوف المشروعة..  كيف سيكون حال العراق إذا استمر بنفس الطريق وسلم نفسه للمخططات الخارجية بنفس الطريقة التي جرت في سوريا؟ .

إذا رجعنا لواقعنا في العراق، نرى تأثير هذه التوازنات الدولية واضح في حياتنا ويومياتنا. فاليوم، وفي ظل حكومة علي الزيدي، نلاحظ أن أسعار الدولار ارتفعت بشكل تجاوز كل التوقعات الاقتصادية، وصار هذا الارتفاع يضغط بشكل مباشر على معيشة المواطن البسيط. المفارقة المضحك المبكي هنا أن العلاقة بين  الزيدي وترامب ( دهن ودبس ) وهناك انسجام كبير بين الطرفين. ومن هالمكان لازم نسأل بكل صراحة إذا كان هذا هو حال الدولار والاقتصاد والعلاقة مع أمريكا في أفضل حالاتها، فكيف سيكون الوضع لو جاء رئيس حكومة آخر لا ترضى عنه واشنطن أو يرفض مسايرتها؟.

والحقيقة المرة التي يجب أن نستوعبها هي أن رضا أمريكا أو عدمه لن يغير من الواقع شيء فالسياسة الخارجية لواشنطن ثابتة لا تتأثر بالأشخاص، وسيبقى الحال على ما هو عليه ما دمنا نتحرك ضمن ذات المخطط المرسوم الذي يستهدف استنزاف البلد اقتصادياً وجغرافياً.

وكما بينا في بداية المقال، إن مثل هذا الحديث يجرنا إلى حقيقة واضحة في جوهرها قضية المد الإسرائيلي وتأمين نفوذه في المنطقة، وإنهاء أي قوة ممكن أن تقف بوجهه. من حيث تفتيت الدول وإضعافها اقتصادياً بالدولار أو بالصراعات، ما هو إلا وسيلة لتهيئة هذه الأرض وتصفية الحسابات. وإذا لم ننتبه كعراقيين لهذه اللعبة الجيوسياسية سنبقى ندفع الثمن من استقرارنا وقوت يومنا.