ليست الكارثة في أن يسرق اللص فسرقة اللص جريمة فردية تنتهي عندما يُقبض عليه.
الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتحول السرقة إلى منظومة والفساد إلى نظام إدارة وحماية الفاسدين إلى منهج عمل.
هناك منظومات متخادمة لا تعيش على الفساد فحسب بل تحرص على بقائه واستمراره.
تختار من يخلفها بعناية لا على أساس الكفاءة والنزاهة، وإنما على أساس الولاء والقدرة على حفظ الأسرار وإغلاق الملفات ودفن الحقائق وحماية من سبقوه.
وهكذا لا تنتقل المسؤولية من جيل إلى جيل فقط بل تنتقل معها مفاتيح الخزائن وأسرار الصفقات وطرق النهب وأسماء المستفيدين.
يُقصى النزيه لأنه خطر عليهم.
ويُحارب صاحب الكلمة لأنه قد يفتح ملفاً أغلقوه.
ويُهمَّش الشريف لأنه لا يقبل أن يكون جزءاً من اللعبة.
ثم يُصنع البديل بعناية… شخص يعرف ماذا يفعل وماذا يخفي ومن يحمي ومن يجب أن يصمت.
وهكذا يصبح الفساد أكثر من سرقة مال.
إنه تربية أجيال على الخيانة.
جيل يتعلم أن المنصب غنيمة وأن المال العام مباح وأن القانون يمكن الالتفاف عليه وأن الحقيقة يمكن دفنها وأن السارق إذا كان محمياً لا يخاف.
والأخطر من ذلك كله أن كل حلقة من هذه المنظومة تحرص على حماية الحلقة التي سبقتها لأن سقوط أحدهم قد يقود إلى سقوط الآخرين.
لذلك تُغلق الملفات.
وتُخفى الوثائق.
ويُشوَّه الشهود.
ويُخوف أصحاب الحق.
وتُستخدم المناصب والنفوذ لإبقاء الحقيقة خلف أبواب مغلقة.
حتى يصبح المواطن أمام مشهد مؤلم:
أموال تُنهب وحقوق تضيع ومشاريع تفشل وثروات تُستنزف ثم لا أحد يعرف أين ذهبت الأموال ولا من المسؤول عنها.
وكلما ظهر ملف جديد خرج من يقول:
دعوا الماضي وشأنه!
لكن لماذا يخافون من الماضي؟
لأن الماضي عندهم ليس تاريخاً…
الماضي أدلة.
وكل ملف لم يُفتح وكل سرقة لم تُحاسب وكل فاسد لم يُعاقب هو رسالة إلى من يأتي بعده:
اسرق… فهناك من سيحميك.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس أن ينتشر فيه الفساد بل أن يفقد الناس الأمل في إمكانية القضاء عليه.
عندما يصل المواطن إلى قناعة بأن الشريف ضعيف وأن الفاسد أقوى وأن القانون لا يصل إلى أصحاب النفوذ فهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
لكن الشعوب لا تموت عندما تُنهب أموالها فقط…
تموت عندما تفقد الأمل باسترداد حقها.
ولذلك فإن الخلاص لا يبدأ بشعار ولا بتغيير وجه بوجه.
الخلاص يبدأ عندما تُفتح الملفات المغلقة وتُستعاد الأموال المنهوبة ويُحاسب من سرق ومن ساعده ومن تستر عليه ومن أغلق الملف ومن منع الحقيقة من الوصول إلى الناس.
لا نريد انتقاماً.
نريد عدالة.
لا نريد تصفية حسابات.
نريد حساباً حقيقياً.
لا نريد وجوهاً جديدة تحمل الأساليب القديمة.
نريد دولة لا يكون فيها المنصب حصانة ولا يكون فيها المال العام غنيمة ولا تكون فيها الحقيقة جريمة.
لقد طال الصمت…
وطال معه الألم.
وما يطلبه المواطن ليس المستحيل.
إنه يريد فقط أن يرى يوماً واحداً يشعر فيه أن القانون أقوى من الفاسد وأن الدولة أقوى من المنظومة وأن المال العام له حرمة وأن الشريف يستطيع أن يتكلم دون خوف.
ذلك اليوم هو بداية الخلاص.
أما الاستمرار في حماية الماضي وتوريث الفساد وإخفاء الملفات وصناعة الخلفاء…
فمعناه أن الجريمة لم تنتهِ.
إنها فقط سلّمت الراية إلى جيل جديد.
إن الله لا يهون عليه حياءُ الفقراء ولا دموع الجائعين ولا دعاءُ مظلومٍ كُسر ظهره و انتم و أبناءكم متنعمون.




التعليقات