كتب / اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي

كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية

 *******************************************************************

يُعد اللواء البحري عبدو علي حمدان الديري (1935 – 11 شباط 2025) أحد أبرز القادة البحريين العرب في القرن العشرين إذ جمع بين العمل العسكري والقيادة السياسية والدبلوماسية وأسهم بصورة مباشرة في بناء القوات البحرية في كلٍ من سوريا والعراق قبل أن ينتقل للعمل في السلك الدبلوماسي سفيراً للعراق في عدد من الدول.

النشأة والتعليم

ولد عام 1935 في مدينة الشيخ مسكين بمحافظة درعا في الجمهورية العربية السورية ونشأ في سهل حوران. تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية في مدينة درعا ثم أكمل الدراسة الثانوية في مدرسة ابن خلدون بدمشق.

التحق بعد ذلك بالكلية البحرية في جمهورية مصر العربية ثم واصل دراساته العليا في الاتحاد السوفيتي حيث حصل على درجة الماجستير في علوم أعالي البحار من إحدى الجامعات السوفيتية الأمر الذي أكسبه تأهيلاً علمياً ومهنياً متقدماً في العلوم البحرية.

الخدمة العسكرية في سوريا

تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح من أبرز قادة البحرية السورية وشغل عدداً من المواقع المهمة، منها:

• رئيس هيئة أركان القوات البحرية السورية.

• مسؤول المكتب العسكري للحزب الحاكم السوري عن البحرية والمنطقة الساحلية.

• عضو لجنة شؤون الضباط في وزارة الدفاع السورية.

• عضو منتخب في المكتب العسكري للقيادة القطرية لحزب  في آذار 1965.

• عميد الأكاديمية البحرية في اللاذقية.

العمل الدبلوماسي السوري

بعد أحداث شباط 1966 في سوريا أُبعد عن العمل العسكري فعُين:

• ملحقاً عسكرياً في موسكو.

• ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين.

• رئيساً للبعثة الدبلوماسية السورية (قائماً بالأعمال) في إيران حتى عام 1968.

الانتقال إلى العراق... بداية تأسيس القوة البحرية العراقية الحديثة

في عام 1968 كانت القيادة العراقية تعمل على إعادة بناء القوات المسلحة وفق أسس علمية ومهنية حديثة إلا أن القوة البحرية العراقية كانت لا تزال في مرحلة التأسيس وتعاني من محدودية الإمكانات والخبرات القيادية المتخصصة إذ اقتصرت تشكيلاتها على وحدات نهرية وساحلية محدودة غير قادرة على حماية مصالح العراق البحرية في الخليج العربي ولم تكن تمتلك العدد الكافي من الضباط البحريين المؤهلين لقيادة مشروع بناء قوة بحرية حديثة قادرة على حماية المصالح البحرية للعراق وتأمين موانئه ومياهه الإقليمية.

وأمام هذه الحاجة أدركت القيادة العراقية أهمية الاستفادة من خبرة عربية متقدمة في المجال البحري فوقع الاختيار على اللواء البحري عبدو علي حمدان الديري لما كان يمتلكه من خبرة واسعة في قيادة البحرية السورية وإسهاماته في تطوير المؤسسات البحرية وتأهيل الكوادر العسكرية.

وعليه تلقى اللواء الديري دعوة للالتحاق بالقوات المسلحة العراقية وأسندت إليه مهمة تاريخية تمثلت في إعادة بناء القوة البحرية العراقية ووضع الأسس التنظيمية والعلمية لبناء بحرية حديثة.

عند وصوله إلى العراق وجد أن البحرية العراقية بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة فلم تكن المشكلة في عدد القطع البحرية فقط وإنما في غياب المؤسسة البحرية المتكاملة التي تشمل القيادة والتنظيم والتدريب والتعليم والعقيدة القتالية.

ومن هنا بدأ اللواء الديري بوضع رؤية استراتيجية بعيدة المدى لم تقتصر على تطوير الوحدات الموجودة بل هدفت إلى إنشاء مؤسسة بحرية متكاملة قادرة على النمو والتطور. فعمل على:

• إنشاء قيادة منظمة للقوة البحرية العراقية.

• تطوير التشكيلات النهرية والساحلية وتحويلها إلى قوة بحرية ذات مهام واضحة.

• تأسيس وتطوير قوات الدفاع الساحلي.

• وضع اللبنات الأولى للعقيدة البحرية العراقية.

• بناء نظام للتدريب والتعليم البحري.

• تطوير الكادر البشري من خلال إرسال الضباط إلى الأكاديميات البحرية في الاتحاد السوفيتي وإيطاليا ودول أخرى لاكتساب العلوم والخبرات الحديثة.

وخلال فترة قيادته انتقلت القوة البحرية العراقية من تشكيل محدود الإمكانات إلى مؤسسة عسكرية عظمى تمتلك قيادة مستقلة وهيكلاً تنظيمياً واضحاً ومؤسسات تدريب وتأهيل متخصصة الأمر الذي جعل اسم اللواء عبدو الديري مرتبطاً بتاريخ نشأة البحرية العراقية الحديثة.

ولهذا يُجمع عدد كبير من ضباط البحرية العراقية على أن اللواء عبدو علي حمدان الديري هو المؤسس الفعلي للقوة البحرية العراقية الحديثة لما تركه من أثر عميق في بناء هذا الصنف الحيوي من القوات المسلحة.

أبرز إنجازاته في بناء البحرية العراقية

من أهم الأعمال التي ارتبطت بفترة قيادته:

• إعادة تنظيم القوة البحرية العراقية وفق الأسس العسكرية الحديثة.

• تحويل التشكيلات البحرية المحدودة إلى قيادة بحرية متكاملة.

• إنشاء وتطوير منظومة الدفاع الساحلي.

• تأسيس الأسس الأولى للأكاديمية البحرية العراقية وبرامج إعداد الضباط البحريين.

• إرسال أعداد كبيرة من الضباط للتخصص والدراسات العليا في الدول المتقدمة بمجال العلوم البحرية.

• إعداد جيل من القادة والضباط البحريين الذين تولوا مسؤولية قيادة القوة البحرية العراقية في العقود اللاحقة.

• التعاقد على شراء احدث السفن و الزوارق الحربية و الاسلحة للبحرية العراقية.

• المساهمة في تأسيس وتطوير صنف مشاة البحرية.

وقد استمر اللواء عبدو الديري في قيادة القوة البحرية والدفاع الساحلي حتى عام 1978 قبل أن يُنقل إلى منصب معاون المفتش العام للقوات المسلحة العراقية ثم أُحيل إلى التقاعد العسكري عام 1980.

قائد المؤسسة قبل قيادة القطع

لم يكن دور اللواء الديري مقتصراً على الجانب العسكري المباشر بل كان يؤمن بأن بناء البحرية يبدأ من بناء الإنسان لذلك ركّز على إعداد الضابط البحري علمياً ومهنياً ووضع الأسس التي تضمن استمرار المؤسسة بعيداً عن ارتباطها بالأفراد.

ويذكر ضباط البحرية الذين خدموا معه أنه كان قائداً يتميز بـ:

• النزاهة العالية.

• الشجاعة.

• الانضباط العسكري الصارم.

• المهنية في اختيار القيادات.

• رفض الوساطة والمحسوبية.

• تقديم الكفاءة والخبرة على أي اعتبار آخر.

ولهذا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة البحرية العراقية ليس فقط باعتباره قائداً تولى قيادة صنف عسكري بل باعتباره الرجل الذي وضع حجر الأساس لبناء القوة البحرية العراقية الحديثة.

العمل الدبلوماسي العراقي

بعد انتهاء خدمته العسكرية انتقل إلى وزارة الخارجية العراقية وعُين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للعراق في عدد من الدول منها:

• سريلانكا.

• جزر المالديف.

• كندا.

• البرتغال.

• سويسرا.

كما شغل مهام دبلوماسية أخرى قبل أن يستقر في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1991 بعد انتهاء عمله الدبلوماسي.

مؤلفاته

أصدر عام 2007 كتابه المعروف:

"أيام مع القدر"

ويتكون من جزأين:

• السلطة الغاشمة (حول التجربة السورية).

• جمهورية الفساد والاستبداد (حول التجربة العراقية).

ويُعد الكتاب من المذكرات السياسية والعسكرية المهمة التي تناول فيها تجربته الشخصية وشهادته على أحداث حزب البعث في سوريا والعراق وأوضح فيه رؤيته للأحداث التي عايشها خلال أكثر من نصف قرن.

حياته الأسرية

تزوج من ابنة الضابط السوري تركي الرفاعي وله خمسة أبناء:

• المهندسة سلمى.

• الدكتور محمد فراس.

• الدكتور حسام.

• المهندسة نسرين.

• المهندسة سوزان.

الوفاة

توفي اللواء البحري عبدو علي حمدان الديري في 11 شباط 2025 في الولايات المتحدة الأمريكية ودُفن هناك بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود في الخدمة العسكرية والعمل الدبلوماسي.

من طرائف اللواء البحري عبدو الديري

تتناقل أجيال من ضباط البحرية العراقية قصة طريفة تعكس ذكاء اللواء البحري عبدو علي حمدان الديري وإصراره على الدفاع عن حقوق منتسبي القوة البحرية.

ففي بداية سبعينيات القرن الماضي طالب اللواء الديري بمنح منتسبي القوة البحرية مخصصات الخدمة البحرية مبرراً ذلك بما يتعرض له البحارة من ظروف عمل قاسية في محافظة البصرة ومياه الخليج العربي حيث درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة الشديدة وارتفاع الأمواج وطبيعة الخدمة المستمرة في البحر.

إلا أن رئيس أركان الجيش آنذاك الفريق الركن عبد الجبار شنشل لم يقتنع بهذه المبررات ورفض الطلب معتبراً أن منتسبي البحرية لا يواجهون الضغوط التي تتعرض لها القوات البرية.

ولم يكتفِ اللواء الديري بالاعتراض بل لجأ إلى رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر واقترح تنفيذ تمرين بحري في مياه الخليج العربي بحضور رئيس أركان الجيش ليطّلع بنفسه على طبيعة الخدمة البحرية.

وبالفعل نُفذ التمرين في أحد أيام الصيف التي بلغت فيها الحرارة والرطوبة ذروتهما مع اضطراب شديد في البحر وارتفاع الأمواج. وما إن أبحر الزورق الذي كان يقل رئيس أركان الجيش حتى أصيب الفريق الركن عبد الجبار شنشل بدوار البحر وتعرض لحالة من الغثيان والإعياء اضطرته إلى الاستلقاء على أرضية الزورق قبل أن يأمر بإنهاء الجولة والعودة إلى الميناء دون استكمال التمرين.

وبعد هذه التجربة العملية اقتنع رئيس أركان الجيش بخصوصية الخدمة البحرية وصعوبتها ووافق على منح منتسبي القوة البحرية المخصصات البحرية التي كان اللواء الديري يطالب بها.

وتبقى هذه الرواية التي يتداولها ضباط البحرية العراقية شاهداً على أسلوب اللواء عبدو الديري في الإقناع إذ كان يؤمن بأن أفضل وسيلة لإثبات الحقيقة هي مشاهدتها على أرض الواقع لا الاكتفاء بالجدل أو المذكرات الإدارية.

الإرث العسكري

يحتل اللواء عبدو الديري مكانة خاصة في تاريخ البحرية العراقية إذ يُنسب إليه الفضل في تحويل تشكيل بحري محدود الإمكانات إلى قوة بحرية حديثة ذات تنظيم احترافي و مؤثر  في المنطقة كما أسهم في إعداد الكوادر البحرية العراقية وتأهيلها علمياً داخل العراق وخارجه.

ولا يزال ضباط البحرية العراقية من الجيل الذي خدم معه يذكرونه قائداً مهنياً نزيهاً وصاحب رؤية استراتيجية بعيدة المدى أسهم في وضع الأسس التي قامت عليها القوة البحرية العراقية الحديثة ليبقى اسمه أحد أبرز رواد الفكر والقيادة البحرية في الوطن العربي.

. / انتهى