في حضرة هذين الشاعرين كنت اشعر بالأمان. ولن أنسى موقف الجواهري حين دافع عني وعن آخرين بعد أن وصلت إليه رسالة كنت قد هرّبتها من السجن إلى أصدقائي من آل الخليلي المقيمين في دمشق، وكان عميدهم فاروق الخليلي، طبيب الأسنان المعروف في الحلة الذي كانت عيادته في السوق، ويجلس في مقهى المشيرية في دمشق في تلك الأيام، حيث يجتمع فيها العراقيون المغتربون.

وصلت رسالتي إليهم، فتوسطوا لي عند صديقهم عاصم الجواهري الذي نقل الشكوى إلى خاله الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري. وقد تأثر الجواهري بقصتنا حين علم أن السلطات السورية كانت تنوي ترحيلنا إلى العراق، فسعى على عجل إلى لقاء الرئيس حافظ الأسد لطرح القضية. وبحسب ما وصلني آنذاك، فقد أبدى الأسد استغرابه من الأمر ووعد بمعالجة المشكلة.

ومنذ ذلك الوقت توقفت عمليات الترحيل إلى العراق بالنسبة لبعض الحالات، وأصبح من لا ترغب السلطات ببقائهم يُرسلون إلى لبنان. وبعد قيام إقليم كردستان وتبلور واقعه الإداري والسياسي، أصبح الترحيل يجري في بعض الحالات إلى هناك.

مهما اختلف الناس في تقييم الشخصيات الثقافية او السياسية، فإنني أظل أذكر للجواهري موقفه الإنساني النبيل في تلك المحنة، وهو موقف بقي حاضراً في ذاكرتي حتى اليوم.

لقد جلب لي الجواهري الأمان وذكرني بطفولتي، حين كنت صغيراً، كنت أشعر بالأمان اذا مسكت بيد أبي أو شعرت بوجوده قربي . و إذا جلسنا في سيارة أو حافلة كنت أتشبث بكفه، وإذا سرنا في الطريق كنت أمسك بطرف ثوبه. كان وجوده وحده يكفي ليجعلني أشعر بالأمان ليجعل العالم أقل خوفاً وأكثر طمأنينة.

كبرت، لكن حاجتي لمن اتمسك بثوبه بقيت تسكن داخلي. غير أن الأمان أخذ أشكالاً أخرى لم أكن أتوقعها.

في دمشق، مدينة المنافي والذكريات، كنت أجد شيئاً من هذا الشعور في أماكن وأشخاص معينين. كان مقهى الروضة واحداً من تلك الأماكن. هناك كنت ألتقي بصديقي أبي حالوب، الذي كان بالنسبة للعراقيين أشبه بمحطة أخبار متنقلة. من خلاله نعرف أخبار الأصدقاء، من جاء ومن رحل ومن يحتاج إلى مساعدة. كان يجمع العراقيين أكثر مما تجمعهم وسائل الاتصال في ذلك الزمن.

وفي المقهى نفسه كنت أرى الشاعر الكبير مظفر النواب.

كان رجلاً بسيطاً وقريباً من الناس. أحياناً يقترب منا ويضع بعض الفستق أو المكسرات على الطاولة ثم يعود إلى مكانه. لم يكن يتصرف كأنه شاعر كبير تحيط به الهالة، بل كإنسان عادي يحمل قلباً كبيراً.

الغريب أن مجرد رؤيته كانت تمنحني شعوراً بالطمأنينة. كنت أقول في نفسي إن وجود مظفر النواب يعني أن الحلم ما زال حياً، وأن الطريق إلى وطن أكثر حرية وعدلاً لم يُغلق بعد.

وشعرت بالأمر نفسه عندما رأيت الجواهري.

أتذكر جيداً عام 1984 وذلك الاحتفال الكبير في مسرح الزهراء في دمشق بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. كانت القاعة مليئة بالحضور والشخصيات السياسية والثقافية، لكن كل شيء تغير عندما صعد الجواهري إلى المنصة وألقى قصيدته الشهيرة.

في تلك اللحظة شعرت بشيء يشبه ما كنت أشعر به وأنا طفل إلى جوار أبي. شعرت بالأمان.

قلت لنفسي: ما دام الجواهري موجوداً، وما دام صوته يصدح بهذه القوة، فلا بد أن المستقبل سيكون أفضل.

كان الجواهري بالنسبة لي شاعر العرب الأكبر، وكان مظفر النواب شاعر الشعب بحق. كلاهما لم يكن مجرد شاعر يكتب القصائد، بل كان رمزاً لقيم كبيرة آمنّا بها: الحرية والعدالة والكرامة.

وحين كنت أرى أحدهما، أو أسمع أحدهما، كنت أشعر أنني في المكان الصحيح، وأنني أقف في الخندق الصحيح.

اليوم، وبعد سنوات طويلة، أدرك أن الإنسان لا يبحث فقط عن الخبز أو البيت أو العمل. إنه يبحث أيضاً عن أشخاص يمنحونه الثقة بالمستقبل. وقد كان الجواهري ومظفر النواب من هؤلاء القلائل الذين منحونا هذا الشعور الجميل.

لقد منحني أبي الأمان في طفولتي، ومنحني الجواهري ومظفر النواب الأمان في سنوات المنفى، ولذلك بقيت صورهم حاضرة في الذاكرة، مثل منارات مضيئة في طريق طويل وشاق.