أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من منظومة الاتصال اليومية ولم تعد وظيفتها تقتصر على نقل الأخبار أو التواصل بين الأفراد فقد أصبحت مؤثرة في تشكيل المواقف العامة وفي طريقة فهم المجتمع للأحداث والقضايا التي تحيط به.
وهذا التحول يفرض على المؤسسات المعنية بالإعلام والأمن أن تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مساحة مؤثرة في الوعي العام وليست مجرد وسيلة تقنية فالمعلومة التي كانت تحتاج في السابق إلى وقت حتى تصل إلى الجمهور يمكن اليوم أن تنتشر خلال دقائق وتصل إلى أعداد كبيرة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.
وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن سرعة النشر أصبحت في كثير من الأحيان أهم من دقة المعلومة وأن المحتوى الذي يثير الانفعال يحظى بانتشار أكبر من المحتوى الذي يحتاج إلى قراءة هادئة وفهم للسياق وهذا الأمر يفتح المجال أمام الشائعة والمعلومة المبتورة والمحتوى المضلل للتأثير في الرأي العام.
ومن هنا يأتي مفهوم الأمن الثقافي بوصفه جزءا من حماية الوعي المجتمعي فالمجتمع لا يحافظ على ثقافته من خلال حماية موروثه فقط وإنما من خلال حماية طريقة تفكيره أيضا وتمكين أفراده من التمييز بين المعلومة الموثوقة والمعلومة التي يراد منها التأثير أو التضليل.
وتزداد المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالشباب لأنهم الفئة الأكثر حضورا في البيئة الرقمية والأسرع تفاعلا مع المحتوى المتداول ولذلك فإن بناء الوعي الإعلامي لديهم يجب أن يكون جزءا من العمل التربوي والثقافي والإعلامي وليس معالجة مؤقتة تظهر عند وقوع الأزمات.
كما أن التعامل مع المحتوى الرقمي يحتاج إلى قاعدة أساسية وهي أن النشر مسؤولية قبل أن يكون حرية فليس كل ما يصل إلى الهاتف يستحق أن يعاد نشره وليس كل ما يحظى بآلاف المشاهدات يمثل حقيقة أو يعبر عن موقف المجتمع.
وتتحمل وسائل الإعلام المهنية مسؤولية كبيرة في هذا المجال من خلال سرعة الوصول إلى المعلومة الصحيحة وتقديمها بصورة واضحة ومهنية لأن غياب المصدر الموثوق يترك مساحة واسعة للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة.
كما أن المؤسسات الأمنية والإعلامية مطالبة بفهم طبيعة الفضاء الرقمي وآليات تأثيره من دون تحويله إلى مساحة للمنع أو التخويف فالهدف هو بناء وعي قادر على التعامل مع المعلومة بهدوء والتحقق منها قبل اتخاذ موقف تجاهها.
إن الأمن الثقافي في المرحلة الراهنة يرتبط ارتباطا مباشرا بالأمن المعرفي للمجتمع فكلما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الشائعة وخطاب الكراهية ومحاولات الاستقطاب وأكثر قدرة على الحفاظ على تماسكه في أوقات الأزمات.
ولهذا فإن بناء الوعي الرقمي مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية والأمنية ولا يمكن أن تنجح هذه المسؤولية إلا من خلال تعاون حقيقي بين هذه الجهات.
فالوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع والمعلومة الدقيقة هي أساس الثقة والإعلام المهني هو الأداة التي تستطيع أن تحول هذه الثقة إلى وعي مستقر ومسؤول.




التعليقات