كلما ضاقت السبل أمام الطبقة السياسية العراقية ووجدت نفسها قد أفلست ..

وكلما تعاظمت الأزمات في هذا البلد المكلوم وعجزت هذه الطبقة السياسية عن معالجتها كما ينبغي ..

خرج علينا بعضهم بمفردات محفوظة يكررها بلا كلل أو ملل: 

• الاعتدال.

• الوسطية.

حتى ظنّـوا أن تكرار الكلمات كفيل بتغيير الواقع ..

أو أن المواطن العراقي -الذي لا يعتقدون بوعيه- ما زال يصدق هذه الأسطوانة المشروخة التي استُـهلكت حتى فقدت معناها!

وبعيداً عن الخوض في هذه الجدلية المملة تعالوا نهبط تنازلاً إلى مستوى سياسيينا ونسأل سؤالاً بسيطاً:


ما هو الاعتدال؟ 

وما هي الوسطية؟


هل الاعتدال أن يعيش المواطن:

• بلا كهرباء مستقرة.

• ⁠ وبلا خدمات.

• ⁠وبلا فرص عمل.

• ⁠وبلا أمن.

• ⁠وبلا إحترام.

بينما تُـرفع فوق رأسه لافتات الاعتدال في مقار فارهة تأثثت من قوته وفوق معاناته؟

هذا يا اعتدال؟

وهل الوسطية هي:

• أن يتقاسم المتنفذون الدولة فيما بينهم.

• ⁠ونرى شياطين الفساد بين تنظيماتهم.

 ثم يطلبون من الناس أن يصفقوا لهذا المشهد بوصفه "حكمة" سياسية؟

خوش وسطية!

إذا كانت هذه هي الوسطية فليست سوى وسطية في تقاسم النفوذ ..

وإذا كان هذا الإعتدال فليس سوى اعتدال في توزيع المكاسب بين أهل السلطة أما المواطن فلم ينل منها إلا المزيد من القهر والاضطهاد والعنت والحرمان.


منذ أكثر من عقدين من الزمن منذ العام (٢٠٠٣) والعراقي يسمع:

• المصطلحات نفسها.

• ⁠والوعود نفسها.

• ⁠والخطابات نفسها.

من نفس الأشخاص  لكن الأزمات باقية كما هي وتكبر كل يوم وتتعقد أكثر ..

لذلك لم تعد هذه المفردات تُـثير اهتمام الناس ولا يُـقيموا لها وزناً ..

هذه المفردات أصبحت مادة للسخرية والتندر في الشارع العراقي لأن المواطن لم يعد يحاكم السياسي على ما يقوله وأصبح يحاكمه على ما يتركه خلفه من إنجاز أو إخفاق.

ثم ليخبرونا هؤلاء الذين يُـطلقون هذه المصطلحات وبكل صراحة:

• أين تجسدت الوسطية في مؤسسات الدولة؟

• وأين تجسد الاعتدال في مكافحة الفساد؟

• وأين ظهرت نتائجه في القضاء على البطالة؟

• وأين انعكست آثاره على التعليم والصحة والخدمات؟

إعلموا يا سادة يا كرام إن الصياح بهذه الشعارات التي لا تتحول إلى مشاريع لا يجعل منها سوى حروف تُـستهلك في المؤتمرات والخطابات التي لا تصنع تغييراً وتتحول مع مرور الزمن إلى عبء على أصحابها لا إلى رصيد لهم ..

لقد تعب العراقيون من القواميس السياسية الجديدة التي تُـولد في المناسبات الرسمية بينما تبقى معاناتهم ثابتة لا تتغير.


المواطنون في هذا البلد -وأنا منهم- لا يريدون اعتدالاً يُـلقى في الخطب ..

يريدون عدلاً يلمسونه في مؤسسات الدولة.

ولا يريدون وسطية تُـكتب في البيانات ..

يريدون دولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها وتحاسب المسيء أياً كان وتكافئ المخلص أياً كان.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الشعارات التي لا تُـنتج واقعاً تتحول مع مرور الزمن إلى عبء على أصحابها وإلى مادة للاستهجان الشعبي ..

العراق لم يعد ينقصه شعار جديد ولا عنوان جديد ولا مصطلح جديد إنما ينقصه رجال دولة يصنعون ما يقولون لا رجال خطابة يقولون ما لا يصنعون.