![]() |
|
|
18
فبراير
2026
|
المثقف في الخارج: بين التأثير في الداخل وتهمة الابتعاد عن الواقع!! عبدالعظيم حالوب/هولندا
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 8
|
في زمن العولمة وتسارع وسائل الاتصال، لم يعد البعد الجغرافي حاجزاً حقيقياً بين الإنسان ووطنه. آلاف من العراقيين يعيشون اليوم في بلدان مختلفة، لكنهم ما زالوا يتابعون تفاصيل الحياة السياسية والفكرية في العراق بشكل يومي. ومن بين هؤلاء، يبرز دور الكاتب والمثقف في الخارج، الذي يحاول أن يكون جزءاً من النقاش العام، رغم المسافة. لكن هذا الدور يطرح أسئلة مهمة: هل يمكن فعلاً أن يؤثر في الداخل؟ وكيف ينظر إليه المجتمع؟ وهل يُتهم أحياناً بأنه بعيد عن الواقع؟
لا شك أن المسافة تمنح الكاتب في الخارج نوعاً من الرؤية الهادئة والقدرة على التحليل بعيداً عن الضغوط المباشرة التي قد يواجهها من يعيش داخل البلد. فهو يكتب من بيئة أكثر استقراراً، قد تسمح له بطرح قضايا حساسة أو نقدية قد يصعب تناولها في الداخل. كما أن اطلاعه على تجارب سياسية وإدارية مختلفة في بلدان المهجر يضيف بعداً مقارنا يمكن أن يغني النقاش العام حول الإصلاح والدولة والمؤسسات.
من جهة أخرى، لعبت الجاليات العراقية دوراً مهماً في إبقاء قضايا الوطن حاضرة على المستوى الدولي، سواء عبر الكتابة أو النشاط المدني أو التواصل مع منظمات ومؤسسات مختلفة. فالجالية ليست مجرد مجتمع مهاجر، بل يمكن أن تكون جسراً معرفياً وثقافياً بين العراق والعالم، تنقل الخبرات والتجارب وتساهم في تشكيل وعي سياسي وفكري أكثر انفتاحاً.
لكن رغم هذه الأدوار، يواجه الكاتب في الخارج تحدياً أساسياً يتمثل في نظرة بعض القراء في الداخل إليه. فكثيراً ما يُتهم بأنه يكتب من "منطقة آمنة"، أو أنه لا يعيش تفاصيل المعاناة اليومية من أزمات اقتصادية وخدمية وأمنية. وقد يكون لهذه الرؤية شيئ من المصداقية. هذه النظرة قد تقلل من تأثيره كتاب المهجر، خاصة عندما يشعر القارئ بأن التحليلات بعيدة عن الواقع الملموس أو لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الحياة اليومية داخل البلد.
وهنا تكمن معادلة صعبة: فالمسافة تمنح وضوحاً، لكنها قد تخلق فجوة شعورية. الكاتب في الخارج مطالب بأن يبقى قريباً من نبض الشارع، من خلال متابعة دقيقة للأحداث، والتواصل المستمر مع مصادر داخلية، والاستماع إلى تجارب الناس، لا الاكتفاء بالتحليل النظري أو المقارنات العامة.
في المقابل، من المهم أيضاً الاعتراف بأن الانتماء لا يقاس بالمكان فقط. فالكثير من العراقيين في الخارج ما زالوا يحملون همّ الوطن في كتاباتهم ونشاطهم، ويشعرون بمسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعاتهم الأصلية. وقد يكون تأثير الكلمة الصادرة من الخارج كبيراً، خاصة إذا اتسمت بالموضوعية والواقعية، وابتعدت عن الخطاب المتعالي أو الانفعالي.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس أين يعيش الكاتب، بل كيف يكتب، ولمن يكتب، ومدى قدرته على الجمع بين الانتماء العاطفي للوطن والفهم العميق لتعقيداته. فحين تنجح الكلمة في التعبير عن هموم الناس بصدق، فإن المسافة تتحول من عائق إلى مساحة للرؤية، ومن غربة جغرافية إلى قرب فكري وإنساني./انتهى
