![]() |
|
|
28
يناير
2026
|
سياسة الطفل المشاغب …!! جعفر محيي الدين
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 14
|
لم يكتفي ترامب بإرسال الأساطيل ثم التمني، ولا بالتصريحات المتناقضة التي تشبه لعبة طفل يلوح بلعبته ثم يبكي إن لم يصفق له أحد. ففي لحظة، أعلن أن الولايات المتحدة أرسلت قوة بحرية كبيرة إلى جوار إيران، متمنياً ألا يكون هناك حاجة لاستخدامها!!!. وبعدها بساعات، وبينما كانت المنطقة تلتقط أنفاسها، جاء تصريح وزير خارجية تركيا ليصف أي هجوم على إيران بأنه خطأ، في إشارة واضحة إلى أن الحلفاء أنفسهم لا يرون في هذا الاستعراض سياسة متزنة.
ثم عاد ترامب ليزيد المشهد ارتباكاً، معلناً أن أسطولاً آخرا يبحر الآن باتجاه إيران، قبل أن يختم بعبارته المفضلة آمل أن يبرموا صفقة!!!.
تهديد يتبعه تمني، وقوة تتحشد بانتظار تفاوض، وكأن الجيوش أوراق للضغوط النفسية .
فهذا التناقض ليس مجرد تفصيل شكلي، فهو يعكس سلوك ثابت. سياسة تدار بالمزاج والمهاترات ، وبالصوت العالي، وليس بالمؤسسات والثبات. فأين الكونغرس من تحريك الأساطيل؟ وأين الرقابة الدستورية حين تدار أخطر ملفات العالم بقرارات متناقضة خلال يوم واحد؟.
وفي هذا المناخ المرتبك، جاءت إيران لتلعب دورها كما اعتادت صمت محسوب، ونفس طويل، ورفض للانجرار إلى مسرح الاستفزاز. فكانت سياسة هادئة لا ترد على الضجيج بضجيج، ولا على التهديد بتغريدة. وحين وصف السيد علي خامنئي ترامب بأنه غير جدير بالثقة، فكان ذلك الرد ليس انفعالاً، فهو قراءة لتجربة رجل يهدد اليوم، ويتراجع غداً، ويطلب صفقة بعد غد.
فكان رد ترامب نفسه كشف عمق الأزمة حين قال خامنئي لا يحترمني!!!.
ولم يناقش الموقف، ولم يدحض التوصيف، انما اشتكى من قلة الاحترام. وهنا، سقط قناع (الرئيس الأعظم) وبقيت صورة رجل يبحث عن الاعتراف أكثر مما يبحث عن حل.
ولم يقف الأمر عند إيران. انما ذهب ترامب أبعد، حين أطلق تهديد مختصر لكنه كاشف بالوقت نفسه .، إذا عاد نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، فلن تقدم الولايات المتحدة المساعدات للعراق.
تصريح محمل بدلالات خطيرة. فهو لا يكشف فقط تدخل فاضح في القرار العراقي، انما يؤكد منطق السياسة الترامبية ذاته.
بان من لا ينسجم مع مشروع (الشيطان الأكبر ) في المنطقة، يعاقَب. ومن لا يدخل بيت الطاعة، يُقصى.
وبهذا المعنى، ماكان المالكي في خطاب ترامب شخص شكلي، انما رمزاً لسياسي خارج القالب الأمريكي الجاهز، ولا يمكن تطويعه بسهولة ولا إدخاله ضمن الأدوات الوظيفية التي اعتادت واشنطن استخدامها لإدارة المشهد العراقي. ولهذا بدا في كلام ترامب كـ شبح مزعج، لأنه لا يشبه ما تريد امريكا اليوم. فتتضح الصورة أكثر.
ان أمريكا التي تدعي دعم الديمقراطية، لا تقبل بنتائجها إذا لم تُنتج رجالها.
ومن هذه الزاوية، لا يعود غريباً أن تكون الفوضى المنظمة إحدى أدوات المشروع الأمريكي في العراق. فالتنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها ما سمي بـ داعش، فهي ماكانت عاصفة نزلت من السماء، فهو نتاج بيئة أرادوا لها أن تحترق. فالمنطقة الغربية العراقية تحولت إلى وقود، ليس لأن أهلها أرادوا ذلك، انما لأن الخراب كان مطلوباً.
فالدمار كان مرحلة عبر نيرانهم حتى تكون وسيلة ضغط.
وحين خرجت الأمور عن السيطرة، تبرأ الجميع، وبقي العراق وحده يدفع الثمن.
اما ترامب، في كل هذا، لم يبتكر سياسة جديدة، فهو كشف القديمة بوقاحة. قال ما كان يقال همساً. فهدد علناً، وتراجع علناً، وفضح أن القرار الأمريكي في المنطقة لا يقوم على احترام الدول، انما على اختبار مدى خضوعها.
وهكذا يعود المشهد إلى صورته الكاملة.
رئيس يرسل أسطولاً ثم يتمنى، ويهدد ثم ينتظر صفقة،ويتدخل في اختيار رؤساء الحكومات،ويشكوا لأنه لا يجد من يحترمه.
وهذا ليس سلوك رجل دولة، فهو سلوك طفل مشاغب، اعتاد أن يحصل على الحلوى بالصراخ، فإذا لم يجد من يقدم له، رمى اللعبة وكسر الطاولة.
والأخطر من ترامب، ليس ترامب نفسه، انما الإعلام الذي حاول تقديم هذا التخبط على أنه دهاء، وهذا الابتزاز على أنه سياسة. لكن كثرة التناقضات، ومعها ثبات خصومه وصمتهم المحسوب، جعلت الأكذوبة تنكشف أمام العالم.
فكان ترامب، من حيث لا يدري، لم يُضعف خصوم أمريكا بقدر ما أضعف صورتها.و أثبت أن (العظمة) التي يتحدثون عنها ليست قيمة لها وزنها، انما اسم كبير تحمله أدواتها في الشرق، من خونة ومرتزقة، يعيشون على التصفيق أكثر مما يعيشون على القرار.
وفي النهاية، التاريخ لا يرحم الضجيج، ولا يحترم من يخلط القوة بالاستعراض. والسياسة مهما طال العبث بها، تعود دائماً إلى قاعدة واحدة.
من يفتقد الثبات يفضح نفسه قبل أن يسقط غيره.
