في مثل هذه الليالي ، لم يكن الصمت في الكوفة
اعتيادياً ، بل كان سكوناً يسبق عاصفةً هزت عرش الوجود . هي اللحظة التي
اختصرها نداء جبرائيل (عليه السلام) الذي دوى بين السماء والأرض ، معلناً
نهاية حقبة من النور . (تهدمت والله أركان الهدى.. قتل علي المرتضى) .
أنه الفقد العظيم ، حيث
لم يختم الإمام علي (عليه السلام) حياته إلا في
أقدس الأمكنة (المحراب) ، وفي أفضل الأزمنة (شهر رمضان) ، وفي أسمى حالات
القرب (السجود). كانت تلك الضربة الغادرة من (أشقى الأشقياء) ليست مجرد
اغتيال لجسد ، بل كانت محاولة لإطفاء مشكاة الحق التي أنارت درب المسلمين
بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
برحيل أمير المؤمنين، انفصمت العروة الوثقى التي
كانت تربط الأرض بالسماء بالعدل الخالص . علي الذي قال عنه المصطفى: (أنا
ميزان العلم وعلي كفتاه) ، ترك برحيله فراغاً لا يسده زمن . لم يكن مجرد
حاكم ، بل كان
سيد الأوصياء ، الذي حفظ وصية النبي وحمل لواء الإسلام بصدق.
فكان يعسوب الدين ، الذي احتمى به المستضعفون وارتعد منه الظالمون.
أبو الأيتام ، الذي فقدوا برحيله الأب الحاني والمطعم في غسق الدجى.
بينما كان الكون يضج بالبكاء ، كانت كلمات
الإمام (عليه السلام) وهي (فزتُ وربِّ الكعبة) تلخص مسيرة رجل عاش لله ولم
يبالِ أوقع على الموت أم وقع الموت عليه . لقد كان استشهاده صرخةً مدوية في
وجه الظلم ، ودرساً خالداً في الثبات على المبدأ حتى آخر قطرة دم.
إننا اليوم إذ نعزي أنفسنا والعالم الإسلامي
باستشهاد قائد الغر المحجلين ، ندرك أن علياً لم يمت ، فنهجه في العدل ،
وكلماته في (نهج البلاغة) ، وشجاعته في ميادين الحق ، لا تزال هي المنارة
التي تضيء لنا الدرب كلما أظلمت سبل السلام على من ولد في الكعبة ، واستشهد
في المحراب ، وما بينهما كان لله خالصاً.
أقلام
رحيل صوت العدالة الإنسانية ومنارة الهدى إمام المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) د.علاء صابر الموسوي
التعليق عبر فيسبوك