25
يناير
2026
العراق وإيران شراكة الضرورة… واختبار القوة ....جعفر محيي الدين _ النجف
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 22

ما يعرف أسرارك غير ربك وجارك، لأن القرب الحقيقي ما ينقاس بالمسافة، وإذا كان جارك بخير، إنت بخير، فسلامتك من سلامته، وقوتك من تماسكه. ومن هذا المعنى تبدأ حكاية العلاقة بين العراق وإيران لانها علاقة تشكلت بين الأسرار والمحن، وتحتاج اليوم إلى وعي يحفظ القرب ويحوله من ضرورة إلى قوة مشتركة.

فالعلاقة بين العراق وإيران ليست علاقة ظرف سياسي طارئ، ولا يمكن اختزالها بشعارات الولاء أو الاتهام، فهي نتاج تاريخ طويل من التداخل الجغرافي والمصلحي والاضطراري. في لحظات ضعف الدولة العراقية، فكانت إيران حاضنة أمنية ساهمت في منع الانهيار، وفي لحظات الاختناق الاقتصادي الإيراني، كان العراق متنفساً اقتصادياً فرضته الجغرافيا وفرضته المصالح المشتركة. وهذه الحقيقة، مهما حاول البعض إنكارها أو تزييفها، فأصبحت جزءاً من الواقع السياسي والاقتصادي في المنطقة.

غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في طبيعة العلاقة نفسها، فهو في كيفية إدارتها. فالعراق، وهو يؤدي دور الحاضن الاقتصادي، يفعل ذلك غالباً من موقع الحاجة وليس من موقع الشراكة المتكافئة. من خلال اقتصاد ريعي، واعتماد مفرط على الاستيراد، وسوق مفتوحة لأي صدمة سياسية أو دولية، فجعلت القرار الاقتصادي العراقي شديد الهشاشة، وأبقت البلد في دائرة التأثر الدائم بالعقوبات والتوترات الإقليمية.

 فتظهر أهمية القراءة المتأنية لمراحل الحكم التي تشكلت فيها هذه المعادلة، وفي مقدمتها مرحلة تسنم نوري المالكي رئاسة الوزراء لانتخابات الماضية . فالمعارضة ترى أن تلك المرحلة السابقة عندما تسنم المنصب على مدار دورتين ٢٠٠٦-٢٠١٠ كرست مركزية القرار وغلبت الاعتبارات الأمنية على البناء المؤسسي والاقتصادي، ما أدى إلى تآكل الثقة الداخلية وترك آثاراً ممتدة حتى اليوم. و في المقابل، يرى المؤيدون أن المالكي قاد البلاد في واحدة من أخطر لحظاتها، وحال دون انهيار الدولة في ظل الإرهاب والانقسام والتدخلات الخارجية، وأن كثيراً من قراراته كانت استجابة لظروف استثنائية لا يمكن فصلها عن سياقها الزمني.

لكن ما يتفق عليه الطرفان، صراحة أو ضمناً، هو أن سياسة تدار بعقل الأزمة لا يمكن أن تستمر بعقلية الديمومة. فالعراق لا يستطيع مواجهة صدمات اليوم وأزمات الغد بالآليات نفسها التي استخدمت بالأمس. وإذا كان الهدف هو بناء دولة قادرة على الصمود، فإن الطريق لا يمر عبر تبرير الماضي.

كما إن الحاجة الملحة اليوم لا تتمثل في الخروج من دائرة التحالف مع إيران، ولا في القطيعة مع عمق إقليمي فرضته الجغرافيا والتاريخ، انما في إعادة تموضع العراق داخل هذا التحالف من موقع القوة وليس الاضطرار. وهذا لا يتحقق إلا عبر ترميم ما قوضته السياسات السابقة، وبناء كيان صناعي وتجاري حقيقي يخفف من الارتهان للخارج، ويقلل من تأثير العوامل السياسية الدولية على الداخل العراقي.

فالعراق يمتلك اقتصاداً منتجاً، وصناعة فاعلة، وتجارة منظمة، عندها سيكون أقل هشاشة أمام العقوبات والتقلبات الإقليمية، وأكثر قدرة على تحويل علاقاته من أعباء إلى فرص. وسيكون مؤهل في المستقبل لأن يكون داعماً اقتصادياً حقيقياً، وليس مجرد سوق استهلاكي أو متنفس اضطراري.

فالسياسة التي تريد أن تنجح غداً، عليها أن تصحح مسارها الذي وضع بالأمس. والقوة الحقيقية لا يكون بناءها بالذاكرة ولا بالمزايدات السياسية، انما بإرادة إصلاحية تعترف بالأخطاء وتستثمر الدروس. فعندها فقط يمكن للعراق أن يحافظ على تحالفاته، ويصون سيادته، ويخرج من موقع الساحة إلى موقع الدولة.

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار