اخر الاخبار
ذاكرة الامكنة / عنِ شارعِ الداخلِ ووقائعه ، والغرام…

ذاكرة الامكنة / عنِ شارعِ الداخلِ ووقائعه ، والغرام…

عنِ شارعِ الداخلِ ووقائعه ، والغرام…

بقلم / صباح محسن

شارعُ الداخلِ ، ممتدٌ بشكلٍ مستقيم ، مثلَ إفعى ميتة ، لايهتمُ سواق المركبات بالتفاتةٍ من جانبهم الأيمن ، والأيسر ، إلا ماندر ، وذلك كون الشارع ، وكما هو حال شارع الچوادر ، باستقامته المملة ، اذ لايلتفت اغلب سواق المركبات الا حين مرورهم بتقاطع مريدي ، والمنفتح عرضيا على الچوادر ، قاطعا الكثير من القطاعات المتشابهة ، مثل صناديق طينية ، رصت بطريقة متشابهة ، لايكسر حدتها ، سوى التمعن وبتطرف للاطفال وهم يتكدسون حول العاب وهمية ، وغير مستخدمة سابقا ، مخلفين وراءهم الكثير من الاتربةِ والصراخ..!
يمتدُ شارع الداخل من مدخل قطاع واحد ، والذي يقابله قطاع اربعة ، والذي أطلق عليه دور الحكومة ، لاسكان بعض الموظفين ، ولمدة عشرين سنة ، وباستقطاع مقبول ، من رواتبهم ، وغير مزعج اقتصاديا ، وبعد هذه الفترة يتم تمليكهم تلك الدور..؟ يبدأ الشارع من ايقونة الجوامع في المدينة برمتها ، الا وهو جامع سيد حسين لينتهي بجامع المبرگع والذي يحاذي السدة ، والتي أنشئت لتفادي الفيضانات التي قد تضرب بغداد ، في حين لم يحصل اي فيضان منذ مقتل منشئها..! وبالقرب منه جامع العباس ، والذي يجاوره جامع موسى الكاظم المتصدر واجهة قطاع 51 وقبالة قطاع 46 العتيد ، والذي يكتوي باصوات رواد مقهى منشد الفيصلاوي ، وبجوار سوق عريبة الشهير ، والذي احترق مع صاحبته النرحومة عريبة في حريق غريب ، ومحيّر ، عام 69 ، وكان حدثا مهولا ، اربك الناس في التفكير عن كيفية احتراق السوق مع من سُمي السوق بإسمها..؟
وهناك الكثير من العلامات الدالة لمداخل الشوارع والتي تفصل بين قطاع وآخر ، من شارع ستين ، الى شارع السادة ، الى بيت سويري ، الى مريدي وتفرعاته ، وتقاطع جاوي ، المتصل ب تقاطع ال 55 ، وفلكة الطابوق ، وراس التبليط ، والذي تتوقف السيارات عنده ، والمحاور فيما بعد بمستشفى القادسية ، والذي دق اساس انشاءه الرئيس الاسبق احمد حسن البكر .
مرورا باسماء شخصيات شعبية ، عامة ، اشتركت بافراح الناس ، واحزانها ، هناك ، مثل سيد علي الگيار والذي كان يسكن قطاع 45 وجبار بريد في قطاع 46 ، وظاهرة عباس العذاب ، والمسمى ابا سيفين ، في قطاع 46 ايضا..! ومجموعة المطربين المعروفين بدءً من عبد الجبار الدراجي ، والذي كان يسكن آخر قطاع في الثورة القديمة ، وجاسم ابو الباسورگ والذي كان يُحيي وصلات خاصة في اي عرس بين تلك القطاعات القريبة للسدة ، وهو ينطلق في تقليد صوت الكلاب ، وبعض المطربين العرب والعراقيين..! وهناك مطرب وراقص يدعى صبيّح شكل ثنائيا هو وصاحبه بوهان ، واللذان يقلدان الاصوات ايضا ، ويرقصان بطريقة ممزوجة بين ماهو هندي ، ومصري ، ويصدحان باغنية فريد الاطرش لكتب على اوراق الشجر ! وكما هو حال الاعراس في تلك المدينة ، وبوجود الغجريات ، اللواتي يصدحن بغناء مبحوح ، والجلوس بجوار احد الضيوف في العرس يتضع شالها على كتفه ، ليقوم بمداعبتها ، ومن ثم دس بعض النقود بين نهديها ، لتبدء بعد ذلك الصيحات ، للاثنين ، وهكذا… اما المآتم ، فهي اشعال مبكر للقيامة من خلال اطلاق الاعيرة النارية ، والتي تحيل ظلام ليل القطاعات لنهار احمر..! مع الكثير من النزاعات ، الفردية ، والجماعية ، اي بين قبيلتين ، لتتكرر على طول خط المدينة الذي يجمع بين طياته الكثير من تقاليد الريف ، وبين التنطط وبحذر لمتطلبات المدينة والمدنية بشكل يوحي بالتمرد والثورة من خلال بعض من ابنائها ، والذين تمت تعبئهتم بأفكارٍ يسارية ، ملتهبة ، وخطيرة ، آنذاك ، وقد تصاعدت اعدادهم ، بشكل ملفت ، مما دفع رجال الامن لمتابعتهم ، وملاحقتهم في امكنة تجمعاتهم .
يسير ذلك بنمو مضطرد ، وغير منضبط ، وقد أخذ بالاتساع ، والامر لايحتاج كثيرا لفطنة ونباهه ، عن فكرة انحيازهم لتلك الافكار…!
كانت هناك الكثير من العلامات على بعض الازقة ، وباسماء شخصياتها المعروفة ، مثل فرع بيت ابو الثلج ، وبيت مهدي ابو الجت ، وگهوة محمد الركبان ، وگهوة حسين نعمة الكوتاوي ، والكثير من اسماء المواكب الحسينية والتي ألصقت بشخصيات تجسد نماذج المقتل ، من مثل جاسم الشمر ، والذي يمثل شخصية الشمر الشهيرة ، ومدى جديته في تقديم الاذى للحسين وصحبه ، واحراق خيام نساء الحسين وسبيهن ، ومن كل عام من واقعة الطف ، والذي ينتهي دائما بملاحقته ، وانزال الكثير من الضرب على راسه ، وباقي جسمه ، مع صيحات استنكار من بعض من اصدقائه ، يمعودين على كيفكم وياه ، ترى هذا جاسم ابو عربانة الباگله ، مو الشمر..! حينها تنفض الجماهير الغاضبة لسماعهم ذلك..؟
كان شارع الفلاح لم يتم افتتاحه الا بعد سنوات ، وتم تبليط الشارع الرئيسي منصف حرب القادسية ، وقبل ذلك كان شارعا عاديا لم يتم احتسابه على مدينة الثورة ، كونها عُرفت بشارعين مشهورين فقط ، هما ، الداخل والچوادر ، وتفرعاتهما ، من شارع الشركة ، وبيت سويري ، وسوگ چماله ، وشارع السفارة ، والگيارة ، وتقاطع اورزدي باك ، والخ ، وحين افتتاح شارع الفلاح اثناء اشتعال الحرب بين العراق وايران ، تكدست الكثير من الجثث على جانبي الشارع ، وذلك بسبب سرعة السيارات ، وتواجد الكثير من البيوت المطلة مباشرة على الشارع ، ولعدم اعتياد الناس هناك ، على شارع حديث يوازي في رصه وتبليطه بشارع المطار المعروف ، والذي انشأته شركة كورية ، مما تسبب بالكثير من حوادث الدهش ، والتي تشابهت مع عدد ضحايا الحرب..! وبعد ان ضجت الناس بالشكوى من تلك الحوادث ، والمشاكل التي تسببت بها ، بين اصحاب السيارات واهالي المدهوسين ، قام سمير السيخلي ، امين العاصمة حينها ، وبتوجيه واضح من الحكومة ، بوضع رصيف يفصل الشارع لنصفين ، يشبه الجزرة الوسطية ، وقيام زمر من العاملين في امانة بغداد بحفر الكثير من الحفر على طول هامة الشارع القاتل ، من اجل السيطرة على حوادث الدهس ، والتقليل من عدد الضحايا… ، وهكذا صار حال شارع الفلاح ، من شارع حديث ومروع ، الى شارع يمتاز بالهدوء ، برغم تخريبه..!
يزدحم شارع الداخل بالعديد من المظاهر ، والتشكيلات ، بين دكاكين رصت متجاورة ، بشكل يؤذي البصر ، وبغير تنظيم ، مثل دگان البايسكچلي عباس ، والاوتچي ناجي ، وخياطة علي المغرم بفريد الاطرش ، والذي كان اول من سجل اغنية عاد الربيع وبثها من خلال محله المقابل لجامع موسى الكاظم ، ودكان ابو الجگاير سيد محمد والذي يغري الزبون باعطاءه اثنين من التوفي مع بضعة سگائر لتشجيعه على التدخين ، ولترويج سگائره ، ودكان او الثلج ، بجانب ابو المرطبات ، او ابو العودة ، وحين لم يسترزق ، ينطلق بعربته التي تشبه سيارة الفولكس واغن بيضاء اللون ، ليقتحم جميع فروع القطاع ، وهو يصدح بصوت طماع ، ابو العودة ياولد…ولتتكاثر تلك الدكاكين بشكل مرعب لتصبح وبمرور الايام لعيون لاتنام وهي ترقب تحركات الناس المارةّ على الرصيف ، او اولئك الذين ينتظرون وصول باص المصلحة رقم 46 ذات الطابق الواحد ، والذي تمرق من نهاية الداخل وانتهاءا بساحة الاندلس ، وقبل دخول الباص ابو الطابقين والذي يحمل رقم 39 وبعد سنوات قليلة ، من دخول الباص ذي الطابق الواحد ، مع باصات دك النجف ، وباصات 66 والاقچم ، الخ..
كانت نساء القطاعات المبثوثة على كتفي شارع الداخل يتنقلن بين الاسواق التي بنيت اغلبها في منتصف ستينات ، ونهاية الستينات ، القرن الماضي ، وحسب تسمية كل سوق ، وكان اشهرها سوق عريبة ، والذي يستوعب زبائن اكثر من قطاع لسعته ، ووجوده بين فضاء مفتوح ، ومحصور بين نهاية جامع موسى الكاظم ، وشارع السادة ، والذي يقطنه الكثير من المثقفين فيما بعد ، مثل عبد الله صخي ، وحميد قاسم ، وخضر عبد الرحيم ، وحميد قاسم ، ونوري الناصر وفاخر محمد ، وعبد الكريم عطية اللامي ، وآخرين .. ونحن نقابلهم في قطاع 46 ، وكان فيه ايضا صديق عبد الله صخي اللصيق عبد عباس العذاب ، والذي كان حينها طالبا في كلية الآداب ، لينتهي بتقاطع شارع مريدي ، والذي يأوي القاص فاضل الربيعي صاحب قصص العائلات ، وألسنّة الجدار تتكلم ، والذي كان بيته يجاور صديقي التاريخي علي كاظم ، حيث كنت استعلم منه عن منشوراته في الصحف ، واولئك كلهم تمت متابعتهم من قبل رجال الامن ، في بداية السبعينات ، وقبل قيام الجبهة الوطنية ، والتي تسببت باعتقالهم جميعا ، وهذه حكاية اخرى ، سنعود اليها ، بعد هذا الجزء الاول ، والحافلة بالصادم من وقائعها..
اغلب حلوات المدينة ، اللواتي كُنَّ يتمتعن بشيء من التحرر ، قد تمت مضايقتهن من قبل رجال شرطة الآداب سيئة الصيت ، ايامئذ ، حين ذهابهن لاشغالهن ، مثل الخياطات في معامل الخياطة في شارع الرشيد ، وبعض من محال بيع السلع المنزلية ، والعاملات في نسبج الكاظمية ، والصناعات الخفيفة في الزعفرانية ، وكانت أغلبهن تكظم تلك المضايقات عن ذويها خوف منعها من الاستمرار في العمل ، والذي يعد المساحة الوحيدة المتاحة لهن في الانعتاق من سلطة العائلة القامعة…!…يتبع

نهاية الجزء الاول

عن Resan