بقلم ناظم عبدالوهاب المناصير

   قـد تُحاكيني بعضُ التراجم الروائيــة ، منذ الصبــــــــا ، كروايات : المنفلوطي في ( بول وفرجيني ) وروايات أخرى كان لهــا النصيب الأكبر في ســـلســلة قراءاتـــي ، فضلا" عن قراءات الشــعر والكتب الفكريــة والتاريخيــة ، إلاّ أنني في زمن آخر ، أطلعتُ على تراجم لكتبٍ عديدةٍ في غاية الأهميــة والدهشــة والأعجاب ، كروايــــــة " عناقيد الغضب " لجون شــــــتاينبك ، و روايات ( الشيخ والبحر ) ( ولمن تقرع الأجراس ) و ( ثلوج كليمانجارو) لـ ( أرنست همنجواي ) ، أضافة إلى الروايات الروســية لـ ديستوفسكي وتولستوي إلى آخر التراجم الفرنسية والأيطالية والأنجليزية .. لكن حينما سنحت لي الفرصـــة بقراءة الروايات العربية لـ نجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله وفؤاد التكــــــرلي وغائب طعمــــة فرمان وغيرهم ، كنتُ أعتبر ذلك منعطفا" كبيرا" مؤثرا" من حيثُ الدلالات الأبداعيــة والفكريـــة وفي الرؤى والخيال والحقيقة وعند أطلاعي على تجربـة الدكتورة أخلاص باقر النجـــــــار أثارت فيّ أيقاعاتها المتسـارعة أو البطيئة في روايتهـــــا ( رسائل بأنامل القدر) فأجدُ نفسي واقفا"على عتبات زوايا مثيرة وشـديدةالتعاطف في شـخصياتها وأنسجامهـا بقدر في حيثيات مشاهدها وصورها الحية وصياغتهـا وأسلوبهـا مع ما يتفق في بنيـة الخوض بكل مثاباتهـــا وآرائهـا ومع ما يدور في محيطهــا والتعليق على أحداثهــا التسجيليـة ، وللحقيقـة إنّ ما بين روايتها ( رصاصة في الرأس ) و روايتها هذه ، ظهر مقياسٌ آخر في مسارات واضحة في التطور والنقلة البارزة والأساس في أسلوب معتدل ، وإنْ كانت شخصياتهـا تتحدث كما لو أنهـا تتحكم في مصيرها لوحدها ، وبما يعطيها زخما" مستقرا" ينهض بأســــلوب معبر عن واقع متغير ..

 الرواية التسجيلية هي منبه آخر في الأدب العربي مما  تعطي دفعا" سهلا" وقد يكون صعبا" لتلبية مطامح جديدة معبأة الحوارات الفكرية والأجتماعية ، فالكاتبـة تعرض علينا مجريات أحداث الرواية وعليهــــــا أن تقنع المتلقي بالصورة التي تتحدث عنهــا ، منطلقـا" مما سبق وقوعه فعلا" وفي ذلك يقول جيمس ( أنّ الحياة فضاء ٌ واسعٌ مضيَّع ، يقف الروائي وسطه لينتخب ما يمكن أن يفسر به الحياة ويهدي به السبيل ) ..وإنّ صدق الأحساس وفعل التعبير وتأكيدا" لأتقان الكاتب مقدرته وحذقه في فهم ما يدور من أحداث حوله التي قد تنمي فيـــــه الشعور الأنساني مـن خلال مرأى لأبتلاءات المعيشة ، أما الأسلوب ، فيختزن التعابير التي

لا تبتعد عن المعاني بأي مسار آخر ، إلاّ أن الناقد رتشاردز قسمها إلى أربعة أقسـام : وهي المعنى / الأحساس / الأيقاع / والقصد ..

  أما إدارة التكتيك والتكيف في الرواية التسجيلية المعاصرة وكما يتضح في رواية : رسائل بأنامل القدر ، هو محاولة لتخليصهــا من رتابة مقيــدة وتكرارية غير ملزمة ، أو أنّ الكاتبة أستعانت بأيجاد وسيلة معبرة عن الماضي والحاضر وما يكتبـه لها المستقبل القريب و حتى البعيد ومع ما يرفدها من أنعكاسات تعبيرية وبالأمكانيات الفنيــة الملائمة ليخرج من شرنقة الأحداث المتوالية ، فيبرز وضع ٌ آخر يغور إلى أعماق النفس الأنســانيــــــة ، وأهم ما يميز الكاتب هو عملية التبسيط مع أعطاء الصور الحية في نسق مادته المعول عليهــا وترتيبهـــا وفق معايير الرواية الحديثــة ، وربما نجد من ســـير الأحداث شـــخصيات متميزة بفعلهـــا وبحدودها الحياتي من أنها قد يصيبها الضجر أو الأنهاك أو حتى التمرد ، فترتيب الحوادث تستدعي أن يكون هناك ترتيبا" يوحي بأنّ المواقف ليس على طرفي نقيض ، أو أننا قد نرى الحياة ليست متناقضة كما يلوح في سير الحكايات ، طالمـــا أنها تشـــبه إلى حدٍّ بعيد لحكايا الواقع المترهل الذي قد نراه متخلخلا" بالأهتزاز ، ولم يبق في أسـتقامتــه إلاّ هتافات لم تعد

كما كانت في هدوئها وأستقرارها أو أنها تتبدل كتبدل موجات البحر حالمــا تهب عليه رياح شمالية عاتية ..

   أننا نجـد في تجربــة الدكتورة أخلاص ، الموضوع الثري البسيط في تجسيدهــا الأبداعي لواقعنا في روايتها الطويلة جدا" وكأنهـــا تحاكي روايـــة ( جيل القدر ) لمطاع صفدي وإن تختلف عنها فكريا" وأجتماعيا" ، والتي تنقلنــــا مع صحبــة جيل متشوق لنوع من الحيــــاة ، فيشملها التحليل الحياتي والنفسي للأنسان محاولة تجسيم الحيــاة العاديـة والمترفـــة ، لكـن الأحداث أبرزت شخصيات الرواية وكأنهـا تتحكم أو تتحدث في مصيرها وبما يحيطهـا من غلاف يعبر عن واقع قد يطفح فيـــه كل شيء بقدر ، وربمــا تظهر الأحــداث في حالاتهـــا البريئة حينما يسمو الحبّ بشعور روحي لا يزيله صدأ التنويع الحياتي ..

  ومما يدهشـنا في محاولة الكاتبة بترتيب الزمن وفق ما يعانيه الأنسان من أزمات مكررة ، ألمت به ضمن ما يكتنفه من محاولات بتر الحيـــــــاة خارج سلطة الأيمان ، فأنهــا وضعت  موازين الأيمان في لب معركـــــــة قد تطول أو تقصر لأنّ قربهـا وبعدها من الأيمان جعلها تطمئن على إفراد حالة أجتماعية أو نفسية تتطلبها الظروف المؤاتية في داخل المجتمع ، ففي محاولتها ببث ترتيب جديــــــد لوضع ثابت قد يتآلف مع الواقع في جلّ ما تستدر منه ترتيب الزمن غير المقيد لصلاحية الأنسان في وعيــه ونظرتــه في مهمتــه من منظور ســيان كان داخليا" أو خارجيا" ، فالعالم الكبير أنشتاين زاوج بين الزمان والمكان فقال : الزمان والمكان متداخلان ؛ لذا فالأنسان هنا يقحم نفسه في درب خاليــــــة من المطبات أو أنه يتفادى ما قـد يواجه من أشكالات هو في غنى" عنها ، فالزمن يكون هنا حالة أوسمة مؤاتية للتغيير الشامل من قلب معركة حاسمة فيما بين الأيمـان واللاأيمـان ، وال                                                           بأن يكون المكان سرا" من أســـرار التكوين النفسي والأجتماعي ليشكل ثنائيـا" حياتيــا" في تآلفهمــا أو ألتحامهمـــا وفق منظور خاص في محتواه الأفقي أو العمودي كي يعطي الصفة الحتمية  لمشاهد توفيقـــــــة كأن يكون الزمان وقت العصر في مكان ما ، فالزمن يخرج من صيغته التآلفيــة ، فيتغير ويبقى المكان ثابتا" إلاّ أنه قد تصيبه تغيرات في العتمـة أو الضوء ، فالمكان هنـا يظهر كحالة تابعة إلى الزمن وتغيراته على مدى أيام أو سنوات ..

   الرواية بدأت بصراع نفسي خفيف مما يتضح من أنهـا تتجسد في صيغة أخرى فيها ذلك الصراع يندثر أو يطفو حسب مستجدات الحيــاة ..

   وفي مسرح المَشاهد التي تربو على تسعة وأربعين مشــهدا" من غير المقاطع ضمن كل  مشهد .. نحسُّ دبيب الشك يغزو بعض النفوس ، فقد يكون الشـــك يذوب في كفة العوز ، أو أنّ الحبّ حالة غير مرضية ، لكن تبرز حالتان تنتهكان وتيرة حية في طريق شاقة ، إذ بهما يتراجع الأنسان قي قضية حالما تندرج في مسيرة تعبئة صاخبة يغشاها في زمنه المتهالك .

  فعلاقة الحب بين الخادمة زكية والفلاح شامخ في بيت الجد عبدالرحمن ، قد تضع المقياس  في طروحات حياتية أخرى مما لا يُستبعد الأنسجام والتوافق بين كيان العائلة ، فالحب موجود ولا داعي للقلق والعلاقة ما بين زكية وشامخ لهي السعادة الحقيقية التي أكتشفتها مروة التي فقدت كثيرا" من تآلفها مع الحياة ــ ما عدا صحبتها لأحدى الصديقات ..

  وفي سياق التعبير الجمالي في نسج البناء الدرامي في خطوط رؤية ناضجة تُعبر عن حبكة واعية ذات صلة بين المواقف من خلال الفعل والأقتدار ، فتأخذ الرواية سير خطها بالتتابع الوظيفي المنطلق من زخم التواتر في الأحاسيس وروحية الفضاء الروائي ، مما تضفي على مسرح الأحداث تآلف وترابط في تركيبتها الوجدانية والأنسانية وتناسقها الرومانسي وصولا"

إلى الأحتكام الفعلي وراء ستارة عالية وعريضة بفهم شعوري أو اللآشعوري ، فالشعور كما عرَّفه الفيلسوف الفرنسي ( لالاند ) بأنه : ( حدس الفكر لأحواله وأفعاله ) ويكون الشعور بهذا التعريف  هو الوعي عند القيام بأي عمل ..

نرجو أنْ نقرأ لزميلتنا  الإستاذة الدكتورة اخلاص باقر النجار* روايات أخرى وبهذا الزخم .