الكاتب رحيم الحلي

عبد الملك نوري ، كان واحداََ من أولئك الذين غيروا مفهوم القصة العراقية وطريقة كتابتها. ففي زمن كانت فيه القصة تميل إلى الحكاية المباشرة والخطاب الاجتماعي والنهايات الوعظية، جاء نوري ليرسم الإنسان من الداخل، خوفه وقلقه ووحدته وتناقضاته، وليجعل من التفاصيل اليومية الصغيرة مادة لأدب كبير.

ولد عبد الملك نوري عام 1921، وعاش مرحلة ثقافية عراقية كانت تبحث عن أشكال جديدة للتعبير، وسط تحولات سياسية واجتماعية عميقة. ولم يكن غزير الإنتاج قياساََ ببعض أبناء جيله، إلا أن أثره تجاوز عدد ما كتب، حتى عُدّ من أبرز المجددين في القصة العراقية الحديثة. وقد توفي عام 1998 بعد سنوات طويلة من الابتعاد عن الأضواء والكتابة.

كانت أهمية عبد الملك نوري في أنه أدرك مبكراََ أن القصة ليست مجرد حادثة تُروى، وأن الشخصية ليست جسداََ يتحرك أمام القارئ، وإنما عالم داخلي كامل. لذلك انتقل بالسرد من مراقبة الإنسان من الخارج إلى الإصغاء إلى صوته الداخلي، واستفاد من تقنيات السرد الحديث والتحليل النفسي، وكان من الرواد الذين ارتبط اسمهم بإدخال تيار الوعي إلى القصة العراقية.

وتبرز قصة "الرجل الصغير" بوصفها واحدة من أهم نماذج تجربته. نُشرت في مجلة "الآداب" عام 1952، وتقوم على موضوع يبدو بسيطاََ، طفل يواجه عالماََ أكبر من قدرته، لكن نوري يحوّل التجربة الصغيرة إلى رحلة داخل الخوف والارتباك ومحاولة اكتشاف الذات. وقد رأى نقاد عراقيون فيها قفزة فنية لأنها مزجت السرد الخارجي بما يدور في ذهن الطفل من أفكار وتصورات وأوهام.

وفي مجموعته "نشيد الأرض"، الصادرة عام 1954، تتضح ملامح مشروعه القصصي أكثر، إذ أصبحت النفس الإنسانية مركز الحكاية، ولم يعد الواقع عنده مجرد فقر وظلم وتفاوت اجتماعي، بل صار أيضاََ ما يتركه ذلك الواقع من خوف وانكسار ورغبات مكبوتة في أعماق البشر. ولهذا عُدت المجموعة منعطفاََ مهماََ في مسيرة القصة العراقية.

لم يهرب عبد الملك نوري إلى التجريب الفني بعيداََ عن المجتمع. كانت شخصياته آتية من الواقع العراقي، من الناس البسطاء والمهمشين ومن بيئة عرفت الفقر والجهل والمرض، لكنه لم يحولهم إلى شعارات سياسية أو نماذج جاهزة. كان معنياً بالإنسان نفسه، بما يختبئ وراء وجهه وصمته وهزيمته، وهذا ما منح قصصه قدرة على البقاء بعد تغير الظروف السياسية والاجتماعية التي كُتبت فيها.

وكان نوري شديد الحساسية تجاه الشكل الفني للقصة. فقد انتقد الكتابة التي تخلط بين المقالة والحكاية، وأطلق ساخراََ على بعض النماذج التقليدية تسمية "المقاصة"، أي المزيج بين المقالة والقصة. كان يريد للقصة أن تكون فناََ قائماََ بذاته، لا موعظة اجتماعية متنكرة في هيئة حكاية. وقد أثار موقفه هذا اعتراض بعض كتّاب القصة التقليديين في زمنه.

والمفارقة أن الرجل الذي ساهم في فتح باب واسع أمام الحداثة القصصية العراقية اختار لاحقاََ الابتعاد والصمت. قلّ إنتاجه وانحسر حضوره الأدبي، لكن غيابه عن المشهد لم يُلغ أثره. فقد بقيت قصصه حاضرة في الدراسات التي تتناول تطور السرد العراقي، وجُمعت أعماله لاحقاََ حفاظاََ على تراثه، بما فيها نصوص مبكرة لم يضمها إلى مجموعاته.

كان عبد الملك نوري من أولئك الأدباء الذين لا يحتاجون إلى عشرات الكتب كي يتركوا أثراََ. تكفي قصص قليلة مكتوبة بوعي مختلف لكي يتغير مسار فن كامل. وحين نقرأ "الرجل الصغير" أو نعود إلى "نشيد الأرض"، لا نقرأ وثيقة من خمسينيات القرن الماضي فحسب، بل نلتقي بكاتب أدرك مبكراََ أن أعظم الأحداث قد تقع في مكان لا يراه أحد: داخل النفس البشرية.

ولهذا بقي عبد الملك نوري واحداََ من العلامات المؤسسة للقصة العراقية الحديثة، كاتباََ نقلها من السؤال: ماذا حدث؟ إلى السؤال الأكثر عمقاََ: ماذا حدث داخل الإنسان؟.