اعداد / الكاتب رحيم الحلي

حين نستعيد ذاكرة الأغنية العراقية في سبعينيات القرن الماضي، تمر أمامنا أعمال ما زالت حاضرة في الوجدان، مثل «گوم انثر الهيل» و«جاوبني تدري الوكت» و«أفيش بروج الحنية»، لكن كثيرين ممن حفظوا هذه الأغنيات ورددوها ربما لم يعرفوا أن وراء كلماتها شاعراَ  عراقياَ  مجدداَ  هو كامل جبر حمدان العامري، أحد الأسماء المهمة في تجربة الشعر الشعبي العراقي الحديث، والذي جمع بين الشعر الشعبي والفصيح والأغنية، مستنداََ إلى ثقافة أدبية وأكاديمية واسعة.

ولد كامل العامري في الديوانية عام 1944، في منطقة شارع السراي، ونشأ في أسرة متواضعة، وكان يساعد والده الذي عمل في بيع الشاي قرب مستشفى الديوانية، ونما لديه منذ الصغر شغف استثنائي بالقراءة، فكان يقتني الكتب القديمة ويقرأ ما يقع بين يديه. دخل مدرسة الهاشمية، التي تعرف اليوم بمدرسة النهرين، عام 1950، وتخرج فيها سنة 1956، ثم واصل دراسته في ثانوية الديوانية حتى تخرج من الخامس العلمي عام 1962.

وتكشف سيرته الدراسية عن شخصية لم تكتفِ بموهبة الشعر، فقد درس الهندسة وتخرج في جامعة بغداد عام 1965، لكنه عاد مدفوعاَ  بشغفه باللغة والأدب إلى دراسة اللغة العربية، فنال البكالوريوس عام 1974، ثم واصل دراسته العليا وحصل على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة المستنصرية عام 1982. وهذا الجمع بين الدراسة العلمية والأدبية يفسر جانباَ  من الدقة والبناء والثقافة التي ميزت تجربته الشعرية.

بدأت محاولاته الشعرية وهو في المرحلة المتوسطة، بعدما حفظ الكثير من الشعر الجاهلي والإسلامي والحديث، وتأثر بصورة خاصة برواد الشعر العراقي الحديث، وفي مقدمتهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. وفي منتصف الستينيات أخذ ينشر كتاباته في الصحف، وانضم مبكراََ إلى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وتذكر مصادر سيرته أنه كان يحمل هوية للاتحاد موقعة من محمد مهدي الجواهري.

ولم تكن حياة العامري بعيدة عن السياسة والتحولات العنيفة التي شهدها العراق، فقد تعرض للاعتقال بعد انقلاب شباط عام 1963 بسبب توجهاته اليسارية، وتشير مصادر تناولت سيرته إلى لقائه خلال تجربة الاعتقال بالشاعر مظفر النواب. كما انعكس اطلاعه على الفكر اليساري في جانب من نتاجه، ولا سيما القصائد التي انشغلت بالفقراء والحرية والعدالة والهم الوطني، لكنه لم يحصر تجربته في الشعر السياسي، بل كتب الحب والحنين والإنسان والوطن، وظل العاطفي والإنساني حاضرين بقوة في قصائده.

ظهر العامري في مرحلة شديدة الخصوبة في تاريخ الشعر الشعبي العراقي، وكانت الديوانية آنذاك واحدة من الحواضن المهمة للتجديد الشعري، بما أنجبته من أسماء مثل شاكر السماوي وعلي الشباني وعزيز السماوي. وجاء كامل العامري ضمن هذا المناخ الذي تأثر بالانعطافة الكبيرة التي أحدثها مظفر النواب في القصيدة الشعبية، لكنه سعى إلى تكوين لغته الخاصة، مستفيداَ من ثقافته في الشعر الفصيح ومن حساسية اللهجة العراقية وقدرتها على التعبير المباشر عن مشاعر الناس.

وكان العامري نفسه واعياَ  بأهمية الجمع بين الفصحى والعامية، فكتب اللونين، وكان يرى أن الشعر الشعبي يمتلك قدرة واسعة على مخاطبة قطاعات كبيرة من الناس والوصول مباشرة إلى عواطفهم. ومن هنا لم ينظر إلى القصيدة الشعبية بوصفها أدباَ  أقل منزلة من الفصيح، وإنما بوصفها أداة تعبير لها عالمها الجمالي وطاقتها الخاصة.

ومن محطاته المبكرة ديوانه «كلمات على وجوه الريح» الذي صدر في مطلع السبعينيات، وكشف عن ميل واضح إلى التجديد والحداثة، ثم توالت أعماله الأدبية التي تذكر المصادر من بينها «الصمت الحائر» و«يوسف الصبرا» و«صلاة الموناليز» و«العشاق يرفضون» و«عذراَ  سادتي» و«ذهبيات»، فضلاَ  عن كتابته عشرات الأوبريتات والمسرحيات الشعرية. وتشير مصادر تناولت تجربته إلى أن عدداَ  من قصائده تُرجم إلى لغات أجنبية، بما يعكس اتساع تجربته إلى ما هو أبعد من الأغنية الشعبية التي اشتهر بها جماهيرياَ .

ولم يكن العامري شاعراََ يكتب بعيداََ عن الوسط الثقافي، بل انخرط في العمل الأدبي والصحفي، وتذكر مصادر سيرته أنه ترأس عدداََ من الروابط الأدبية، وعمل في تحرير صحف ومجلات عراقية، كما عمل محرراََ في صفحات أدبية في مطبوعات من بينها «كل شيء» و«الثقافة الجديدة» و«الراصد» و«نبض الشباب» و«الزوراء»، إلى جانب عمله في التدقيق والإشراف اللغوي. وهذا النشاط يوضح أن حضوره الثقافي كان أوسع كثيراَ  من كتابة الأغنية.

لكن الأغنية كانت الباب الأوسع الذي دخل منه كامل العامري إلى ذاكرة العراقيين. فقد التقت كلماته بجيل استثنائي من الملحنين والمطربين، وكانت إحدى أهم محطاته «جاوبني تدري الوكت» التي لحنها الموسيقار محمد جواد أموري وغناها حسين نعمة، حتى وصفها بعض من تناولها بأنها «ملحمة العشق والعتب العراقي»، لما فيها من امتزاج بين العتاب والحب واللغة الشعبية المكثفة.

ثم جاءت «گوم انثر الهيل» بصوت حسين نعمة وألحان محسن فرحان، لتصبح واحدة من العلامات البارزة في الأغنية العراقية. استطاع العامري فيها أن يأخذ مفردة شديدة الارتباط بالبيئة العراقية، هي نثر الهيل لاستقبال العزيز، ويحولها إلى صورة شعرية عن انتظار الحبيب والاحتفاء بقدومه. وهنا تظهر إحدى سماته المهمة، فهو يستمد الصورة من الحياة اليومية، ثم يمنحها بعداََ عاطفياََ يجعلها قابلة للبقاء في الذاكرة.

وكتب أيضاَ  «أفيش بروج الحنية» التي غناها سعدون جابر، وهي نموذج آخر على قدرته في صناعة صورة شعرية شعبية غير مألوفة، كما كتب لسعدون جابر «أثر فرحة» من ألحان محمد جواد أموري، وكتب «حلم أخضر» لفؤاد سالم من ألحان أموري، و**«غني روحي»** التي لحنها وغناها طالب القره غولي. ومن أعماله الأخرى التي تذكرها المصادر «ازغار ومر قطار الشوك» لكمال محمد، و**«ضحكة نيسان»** لرياض أحمد، إلى جانب أناشيد وأغانٍ وطنية وأعمال للأطفال وأوبريتات عديدة.

وتكشف قائمة من تعامل معهم عن المكانة التي بلغها العامري في العصر الذهبي للأغنية العراقية، فقد اجتمعت كلماته مع ألحان محمد جواد أموري ومحسن فرحان وكوكب حمزة وطالب القره غولي، ووصلت عبر أصوات حسين نعمة وسعدون جابر وفؤاد سالم وغيرهم. لم يكن وجوده وسط هذه المجموعة من كبار صناع الأغنية العراقية مصادفة، بل نتيجة قدرة شعرية جعلت النص الذي يكتبه قابلاََ لأن يتحول إلى أغنية تحتفظ بقيمتها الشعرية حتى بعد انفصالها عن اللحن.

وتميزت أغنية كامل العامري بلغتها القريبة من الناس من دون الوقوع في المباشرة السطحية. كان يعرف كيف يلتقط المفردة الشعبية ويضعها في سياق جديد، وكيف يبني صورة يستطيع الملحن أن يقرأ فيها إيقاعاََ داخلياََ. ولهذا بقيت أغنياته قابلة للاستماع بعد مرور أكثر من نصف قرن، لأن نصوصها لم تعتمد على مناسبة عابرة، وإنما تناولت مشاعر إنسانية مستمرة، مثل الحب والانتظار والعتاب والفقد والحنين.

وكان للهم السياسي والوطني حضور بارز في تجربته. ومن أهم قصائده في هذا الجانب «إلى شهيد» التي كتبها في آذار 1970 في رثاء محمد الخضري، وتحولت فيها واقعة الرثاء إلى نص يتجاوز الفرد نحو الوطن والتاريخ، مستحضراََ بابل وآشور والفرات ودجلة والهور، في مزج بين الرموز العراقية والموقف السياسي والوجدان الشعبي. وتكشف القصيدة عن جانب مختلف من شاعر عرفه الجمهور أساساََ من خلال الأغنية العاطفية، بينما كانت تجربته الشعرية أوسع وأكثر تنوعاََ.

وفي سنواته الأخيرة تعرض كامل العامري لمرض قاسٍ، إذ عانى من التهاب مزمن في القصبات وانتفاخ في الرئة، وأدت حالته الصحية إلى ابتعاده تدريجياَ  عن النشاط الثقافي وملازمته المنزل لفترات طويلة. وتحدث الذين كتبوا عنه عن عزلته في المرحلة الأخيرة وعن صعوبة حصوله على العلاج الذي كان يحتاج إليه، حتى توفي في 6 نيسان 2008 في الديوانية، عن أربعة وستين عاماَ ، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحضور في الشعر والأغنية والحياة الثقافية العراقية.

ولعل في سيرة كامل العامري مفارقة تستحق التأمل، فقد أصبحت أغنياته أشهر من اسمه. آلاف العراقيين يعرفون «گوم انثر الهيل» و«جاوبني تدري الوكت» و«أفيش بروج الحنية»، لكن كثيرين منهم لا يعرفون الشاعر الذي كتبها، وهي مشكلة عانى منها عدد كبير من شعراء وملحني الأغنية العراقية حين ارتبط العمل في الذاكرة الجماهيرية بصوت المطرب وحده.

رحل كامل العامري، لكن كلماته بقيت حية في أصوات كبار المطربين وفي ذاكرة أجيال من العراقيين. وحين نستعيد أعماله اليوم فإننا لا نستعيد زمناََ جميلاََ من تاريخ الأغنية فحسب، بل نعيد الاعتبار لشاعر مثقف ومجدد، كتب الفصحى والشعبي، واشتغل في الصحافة والثقافة، وكتب المسرحية والأوبريت والأغنية، وحمل هموم عصره السياسية والإنسانية. ومن هنا يستحق كامل العامري أن يُذكر بين أبرز شعراء القصيدة الشعبية والأغنية العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين، شاعراَ  استطاع أن يجعل من مفردة الناس اليومية شعراََ، ومن الشعر أغنية بقيت أطول من العمر./ اتهى