منذ أكثر من عقدين والعراق يدفع ثمن الصراعات الداخلية والإقليمية حتى أصبح المواطن يتساءل لماذا يراد لهذا البلد أن يبقى ساحة للأزمات بينما تتجه دول العالم نحو الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا ولماذا تتكرر المحاولات لجر العراق إلى صراعات لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا كيف تنتهي.
إن أي حرب جديدة لن يكون فيها منتصر حقيقي فالخاسر الأول سيكون المواطن العراقي الذي يتطلع إلى الأمن وفرص العمل والخدمات والتنمية وفي المقابل فإن العالم اليوم يقيس قوة الدول بحجم استثماراتها وتطور بناها التحتية وقدرتها على جذب رؤوس الأموال وليس بعدد الأزمات التي تعيشها أو حجم السلاح الذي تمتلكه.
أن الصراع الحقيقي لم يعد بين تيارات سياسية متنافسة بل بين مشروعين مختلفين مشروع يسعى إلى بناء دولة منفتحة اقتصاديا"قادرة على استقطاب الاستثمار وتعزيز علاقاتها الدولية ومشروع آخر يرى أن بقاء الأزمات هو الضمان لاستمرار نفوذه السياسي والاقتصادي.
مقاومة التغيير ليست ظاهرة عراقية فقط لكنها تصبح أكثر خطورة عندما ترتبط بمصالح تراكمت عبر سنوات طويلة سواء كانت مصالح سياسية أو اقتصادية أو شبكات فساد فكل خطوة نحو الشفافية وكل محاولة لفتح الملفات المغلقة تعني بالضرورة تهديدا" لمن استفاد من غياب الرقابة أو ضعف مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق نجد ان الحكومة الحالية نهجها واضح مكافحة الفساد والانفتاح الاقتصادي وهذا يمثل تحولا" مهما" بينما يختلف معنا البعض في تقييم أداء الحكومة أو أولوياتها ومهما اختلفت المواقف السياسية فإن تعزيز الشفافية وسيادة القانون وتحسين بيئة الاستثمار تبقى أهدافا" يلتقي حولها كثير من العراقيين.
أما الإصرار على عسكرة المشهد السياسي أو تصوير التنمية والشراكات الاقتصادية وكأنها مشروع ثانوي فإنه يعيد إنتاج الأزمات نفسها التي دفع العراق ثمنها لعقود فالدولة الحديثة لا يمكن لها ان تعمل بمنطق المواجهة الدائمة بل بمنطق المؤسسات والقانون والاقتصاد المنتج.
نقف اليوم أمام خيار واضح إما دعم مشروع الدولة التي توفر فرص العمل وتجذب الاستثمار وتحارب الفساد عبر المؤسسات والقضاء وإما السماح باستمرار دوامة الصراعات التي تستنزف الموارد وتؤخر التنمية و تديم زخم الحرس القديم الذي يحاول جمع اوراقه من جديد والخروج من الازمة بأقل الخسائر .
إن مواجهة مقاومة التغيير لا تكون بالشعارات أو التخوين وإنما بالوعي الشعبي والاحتكام إلى القانون والمطالبة بالشفافية والمساءلة ودعم كل إصلاح حقيقي يخدم الدولة بعيداً عن المصالح الضيقة فالعراق يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهله ليكون بلداً مستقرا"ومؤثرا"إذا توفرت الإرادة الوطنية التي تجعل مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر.
لقد تعب العراقيون من الحروب والأزمات وما ينتظرونه اليوم ليس معركة جديدة بل فرصة جديدة لبناء دولة قوية مزدهرة وآمنة تكون فيها التنمية والعدالة وسيادة القانون هي العنوان الأبرز للمستقبل.
التعليق عبر فيسبوك