لا يمكن الحكم على أي حملة أمنية من خلال عدد المعتقلين فقط أو بحجم الضجة الإعلامية التي ترافقها، انما بما تتركه من أثر في بنية الدولة وثقة المجتمع. ومن هذا المنطلق، ان صولة الفجر باعتبارها محطة تستحق التوقف عندها، لأنها وضعت ملفات كانت لسنوات بعيدة عن دائرة المساءلة، وأعادت إلى الواجهة سؤال ظل يتكرر مع كل حملة مشابهة ..هل نحن أمام إرادة حقيقية لتجفيف منابع الفساد، أم أمام جولة جديدة من الصراع السياسي تستخدم فيها ملفات الفساد وسيلة لتصفية الحسابات؟
هذا السؤال ليس وليد اليوم، انما هو فرضته تجارب سياسية سابقة شهدت تحركات مشابهة انتهت بانتهاء الظرف الذي أنتجها، لذلك فإن التشكيك الذي يرافق أي حملة ليس أمراً مستغرباً. غير أن الإنصاف يقتضي أيضاً عدم إصدار الأحكام قبل اكتمال الصورة. فإذا امتدت الإجراءات إلى جميع المتورطين دون تمييز، واستندت إلى الأدلة والقضاء بعيداً عن الانتقائية، فإن وصفها بالانتقام السياسي يفقد الكثير من وجاهته. أما إذا توقفت عند أسماء محددة، أو ارتبطت بتوازنات سياسية آنية، فإن باب الشك سيبقى مفتوح أمام الرأي العام.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن العراق بلغ مرحلة أصبح فيها الفساد يمثل تهديداً مباشراً لبقاء مؤسسات الدولة. سنوات طويلة من الهدر، وتعطيل المشاريع، واستنزاف المال العام، وتراجع الخدمات، جعلت حجم الأزمة أكبر من أن يحتوى بالحلول التقليدية. أصبح يعكس حقيقة ما تشهده البلاد فقد (بلغ السيل الزبى) إذ لم يعد بالإمكان تأجيل المواجهة أو الاكتفاء بالمعالجات الشكلية، لأن كلفة الصمت أصبحت أعلى بكثير من كلفة المواجهة.
كما إن الفساد ليس مجرد مخالفات مالية أو إدارية، فهو منظومة متشابكة تتغذى على ضعف الرقابة، وتداخل المصالح، وغياب المساءلة. لذلك فإن نجاح أي حملة لا يقاس بعدد من يلقى القبض عليهم، انما بقدرتها على تفكيك هذه المنظومة ومنعها من إعادة إنتاج نفسها بأسماء جديدة.
ومن الناحية السياسية، فإن المعيار الحقيقي لنجاح صولة الفجر لا يكمن في حجم الضربات التي توجهها، انما في قدرتها على ترسيخ قناعة لدى المواطن بأن القانون لا يفرق بين مسؤول وآخر، ولا بين حزب وآخر، وأن الحصانة الوحيدة هي الالتزام بالقانون. عندها فقط ستتحول من حدث سياسي إلى نقطة تحول في مسار بناء الدولة.
ويبقى الامتحان الأصعب هو الاستمرار. فالحملات التي يكون بناؤها على ردود الأفعال سرعان ما تخفت، أما الحملات التي تتحول إلى نهج مؤسسي دائم فهي وحدها القادرة على استعادة هيبة الدولة وترميم الثقة بين المواطن ومؤسساته وهذا ما يحتاجه العراق فعندها لن يكون السؤال.. هل كانت صولة الفجر انتقاماً سياسياً؟ انما سيكون هل استطاعت أن تؤسس لمرحلة لا يعود فيها الفساد قادر على الاحتماء بالنفوذ أو بالسياسة؟
فمثل هذه الأحداث الكبرى لا يكتب تاريخها يوم انطلاقها، وإنما تكتبه نتائجها. وإذا نجحت هذه الصولة في أن تجعل القانون هو المرجعية الوحيدة، فإنها ستكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية، أما إذا بقيت محصورة في إطار الظرف السياسي، فستضاف إلى سلسلة أحداث أثارت الأمل ثم انطفأت مع مرور الوقت.
التعليق عبر فيسبوك