في الأول من نيسان ، ومع أولى بشائر الربيع وتفتح أزهار (الخزامى) في سهول بلاد الرافدين ، يستيقظ في وجدان العراقيين عبق التاريخ وهيبة الأجداد . إنه عيد (أكيتو) ،  أقدم عيد احتفلت به البشرية ، والذي يمثل لحظة الانبثاق الأولى للوعي الإنساني بالزمن ، وبالعلاقة المقدسة بين الأرض والسماء.

لم يكن (أكيتو) لمجرد اللهو أو الاحتفال العابر ، بل كان تجسيداً لفلسفة (ميزوبوتاميا) في الصراع بين الفوضى والنظام . ففي بابل ونينوى ، كان الاحتفال يستمر لـ 12 يوماً ، تُقرأ فيها ملحمة الخلق (الإينوما إيليش)، ليعلن الإنسان العراقي القديم أن الحياة تبدأ من جديد ، وأن بذور الخير قادرة على شق صخور العدم . هو عيد (نشيد الربيع) الذي يغسل غبار الشتاء عن روح الأرض ، لتلبس حُلة الخضرة والنماء.

إن الاحتفاء بهذا اليوم هو استحضار للضوء الذي انبثق من (أور) و(بابل) و(أشور) . هو اعتراف بأن هذه الأرض لم تكن يوماً صامتة ، بل كانت الحرف الأول في كتاب الإنسانية . حين يحتفل أبناء العراق اليوم بـ (أكيتو) ، فهم لا يستذكرون ماضياً بائداً ، بل يحيون هوية عابرة للزمن ، ويؤكدون أن الجينات التي شيدت الزقورات وخطت القوانين الأولى ما زالت تنبض في عروقهم.

في (أكيتو) ،  يتوحد العراقيون خلف راية الحضارة . إنه يوم نخلع فيه تعب السنين ، لنقف بمهابة أمام النهرين العظيمين ، مستذكرين أننا ورثة حضارة علمت العالم كيف يقرأ ، وكيف يزرع ، وكيف يصيغ القوانين.

أكيتو هو نشيد البقاء ، هو العهد الذي قطعه الرافدينيون مع الشمس ، بأن تظل تشرق على أرضهم حاملةً بشائر الأمل والحياة.

أكيتو مبارك لكل قلب عراقي يحمل فخر الانتماء لهذا التراب العظيم

كل عام والعراق ، من شماله إلى جنوبه ، بألف خير وتجدد..