بقلم / د. علاء صابر الموسوي
في هذا العصر الذي تلاشت فيه الحدود بين الواقع والافتراض ، لم يعد الخبر مجرد وسيلة لنقل الحدث ، بل استحال أداةً مركزية لإعادة صياغة الوعي وتوجيهه وفق أجندات بالغة التعقيد ، حيث نجد أنفسنا اليوم أمام ظاهرة (غسل الأدمغة الناعم) التي تتجاوز في خطورتها أساليب الإكراه المادي التقليدية ، لتتسلل إلى العقل الجمعي عبر هندسة دقيقة للمعلومات تعتمد في جوهرها على اختراق النسق النفسي للمتلقي ، واستغلال الثغرات الإدراكية لديه عبر خوارزميات رقمية تحاصره في (غرف صدى) مغلقة ، لا يسمع فيها إلا صدى أفكاره وانحيازاته المسبقة ، مما يجرده تدريجياً من القدرة على المحاكمة العقلية المستقلة ويجعله أسيراً لرواية أحادية الجانب تم تصنيعها بعناية فائقة.
إن هذا التضليل الممنهج لا يعتمد على غياب المعلومة بقدر ما يعتمد على (تسميمها) أو إغراق الوعي بفائض من الأخبار المتضاربة التي تُربك ملكة التمييز لدى الفرد ، فيلجأ العقل المنهك إزاء هذا الزخم إلى التسليم بالرواية الأكثر تكراراً أو تلك التي تخاطب غرائزه وعواطفه الأولية من خوف أو غضب أو حماسة زائفة ، وهنا تكمن قمة المأساة ، حيث تتحول المنصات الإعلامية من منابر للتنوير إلى ميادين لـ (البروباغندا) الرقمية التي تمارس نوعاً من الإلحاح البصري والمعرفي ، حتى يستقر الزيف في الوجدان كحقيقة مطلقة لا تقبل الجدل ، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل السلم المجتمعي وظهور الاستقطابات الحادة التي تغيب معها لغة الحوار العقلاني الرصين.
وعليه ، فإن مواجهة هذا الطوفان من التضليل وغسل الأدمغة لا تكمن في الانعزال عن العالم ، بل في اجتراح (وعي نقدي حصين) يتخذ من الشك المنهجي وسيلة للوصول إلى اليقين ، ومن تعدد المصادر والبحث في السياقات الخفية أداةً لتفكيك الخطاب الإعلامي وتحليله ، فالحرية الحقيقية في عصرنا الراهن تبدأ من تحرير العقل من القيود غير المرئية التي تفرضها صناعة الزيف ، والإيمان بأن الحقيقة المجردة تظل هي الحصن الأخير للإنسانية أمام محاولات التدجين الفكري والسيطرة على الضمائر ، فالعقل الذي يقدس البرهان ويستنطق الحقائق هو الوحيد القادر على الصمود في وجه آلات التضليل التي تحاول تحويل البشر إلى مجرد أرقام في معادلات القوى والمصالح. / انتهى
التعليق عبر فيسبوك