28
فبراير
2026
بين التفاوض والنار .. من يفرض ميزان القوة؟. جعفر محيي الدين _النجف
نشر منذ 2 ساعة - عدد المشاهدات : 11

شعار ترامب الضمني في هذا الملف يبدو أقرب إلى مقولة ساخرة تريد غزال؟ خذ أرنب ،تريد أرنب؟ خذ أرنب. أي أن سقف المطالب واحد مهما كان حجم التنازل المقابل. فهذا الأسلوب يعكس عقلية تفاوضية تقوم على فرض الإطار قبل الدخول في التفاصيل والمطلوب محدد سلفاً .. تنفيذ ما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية للأمن القومي.

فأما إيران، من جهتها جلست على طاولة المفاوضات وهي تعرف تماماً مضمون الأوراق ومضمون المطالب الأمريكية، لكنها أرادت أن تقدم الحجة للعالم بأن أي ابتعاد عن التفاوض سيكون خطأ استراتيجيا. وهذا الموقف يعكس حكمة تشبه سياسة الإمام علي (ع) في القتال لا نبدأهم القتال حتى يبدؤون  القتال.

وقد تحقق هذا اليوم عملياً، حيث كان الرد الإيراني محسوباً ومدروساً لم يبدأ القتال، لكنه جاء مباشرة حين استهدفت الضربات الأمريكية – الإسرائيلية مواقعها، مؤكداً أن الرد قائم على ضبط التوازن وليس على اندفاع عشوائي. وبهذه الطريقة، جمعت إيران بين قوة الموقف واستراتيجية الحذر، محافظةً على مكانتها التفاوضية دون التفريط في حقها أو السماح للآخرين بفرض أجندتهم بالقوة

اما في السياسة اللغة تكشف أكثر مما تخفي وعندما تتحول اللغة إلى صواريخ، يصبح المشهد أكثر وضوحا.

حينما وجهوا سؤال الى عراقجي وزير الخارجية الإيراني .. هل لديك رسالة للولايات المتحدة؟ أجاب باقتضاب كلا .. فقط نسير إلى المفاوضات.

عبارة قصيرة، خالية من الانفعال، توحي بأن طهران ترى نفسها ذاهبة إلى طاولة تفاوض وليس إلى ساحة إملاءات.

وفي المقابل، جاء رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السؤال ذاته موجهاً لإيران بنبرة مختلفة.. عليهم أن يبرموا اتفاقاً… لا يريدون الذهاب بعيداً بما يكفي… لا يقولون لن نمتلك سلاحاً نووياً… يريدون تخصيب القليل… لا حاجة للتخصيب مع كل هذا النفط… أنا غير راضي عن مسار المفاوضات.

الفارق لم يقتصر على الكلمات وحدها، انما في الحالة النفسية التي تعكسها، عراقجي كان رده ثابتاً ومقتصداً، اما ترامب فحمل ضيقاً واضحاً من مسار لم يحقق النتائج المرجوة.

لكن المشهد لم يبقى في إطار التصريحات. لان الحرب وقعت بالفعل. ضربة أمريكية – إسرائيلية استهدفت الداخل الإيراني، فجاء الرد الإيراني باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة، في الكويت والبحرين وقطر والأردن.

الرسالة كانت مباشرة .. الرد لن يكون رمزي، بقدر ما سيطال مواقع النفوذ الأمريكي حيثما وجدت.

لان إيران أرادت تثبيت معادلة ردع جديدة مفادها أن أي استهداف لأراضيها سيقابل بضرب مواقع الانتشار الأمريكي في الإقليم. ما كان  الهدف إعلان حرب شاملة، انما إثبات أن كلفة التصعيد لن تكون أحادية الجانب.

في هذا السياق تحديداً يطفو سؤال أساسي على السطح ..إذا كانت واشنطن قد أعلنت سابقاً أن ملف المفاعلات انتهى وأن الخطر النووي تم احتواؤه، فلماذا استمرت المفاوضات؟ ولماذا يتصاعد الجدل حول عبارة (لن نمتلك سلاحاً نووياً)؟

فالقضية لم تطرح باعتبارها يوماً مجرد جملة تقال. لان جوهر الخلاف يدور حول حق التخصيب، وحول من يحدد سقف القوة في المنطقة. فإيران تقول إن برنامجها سلمي وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإن امتلاك برنامج نووي مدني حق سيادي. في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن المسألة تتعلق بأمن إسرائيل وتوازن الردع الإقليمي، وخصوصاً في ما يتصل ببرنامج الصواريخ الذي تسعى واشنطن إلى تقييده.

كما ان تجربة العراق عام 2003 ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية للمنطقة. آنذاك بنيت رواية كبرى حول أسلحة دمار شامل لم تثبت لاحقاً. و الفارق اليوم أن إيران ليست العراق، لا من حيث القدرة العسكرية ولا من حيث شبكة التحالفات ولا من حيث حسابات الردع. وهذه حقيقة تدركها واشنطن قبل غيرها.

وفي النهاية، المشهد ليس صراع حول جملة تقال أو لا تقال. والتفاوض مستمر، لكن الرسائل المتبادلة لم تعد تكتب بالحبر فقط، بقدر ما ترسم أحياناً بالنار.

فالحرب القصيرة التي شهدناها لم تنهي التفاوض، فهي أعادت تعريفه. ووضعت حدود جديدة للقوة، وأثبتت أن ميزان الردع لم يعد أحادي الاتجاه.

وفي الخلاصة.. كل ما يجري ليس خلاف تقني حول أجهزة الطرد المركزي، بمقدار ما هو اختبار إرادات بين مشروعين سياسيين، كل منهما يحاول أن يثبت أن صوته أعلى… وأن كلفته أقل.

 

           


صور مرفقة






أخبار متعلقة
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار