8
يوليو
2020
قراءة .. في رواية فتاة القطار ... لـ بولا هوكينز
نشر منذ 1 شهر - عدد المشاهدات : 216


المرسى نيوز / سارة زيد محمود

للكاتبة البريطانية؛ بولا هوكينز.

المترجم: الحارث النبهان.

عدد الصفحات:  392

النسخة صادرة عن منشورات الرمل- مصر، الطبعة الأولى ، 2015

بولا هوكينز كاتبة بريطانية من مواليد 1972، ودرست الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد، عملت بعد ذلك كصحفية في التايمز، وكانت تكتب تقارير عن الأعمال التجارية، وبعد ذلك ألفت كتاباً فيه نصائح مالية للمرأة.

بحلول عام 2009 بدأت بكتابة عدد من القصص الخيالية الرومانسية ذات الطابع الكوميدي تحت اسم مستعار "إيمي الفضية"، كتبت أربع روايات من ضمنها  " اعترافات ريسيشنيستا المترددة " ، وكتبت رواية سوداوية وهي " فتاة القطار"، اشتهرت من خلال هذه الرواية التي صدرت 2015، وتصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في بريطانيا لعشرين أسبوعاً.

قام بترجمة الرواية (الحارس النبهان) ، وهو سوري مقيم حالياً في بلغاريا ، مهنته الترجمة عن اللغة الإنجليزية ، وإليه يعود الفضل في ترجمة كتب ثمينة على صعيد العالم إلى العربية ، نذكر منها (1984 - جورج أورويل) ، ( فن اللامبالاة – مارك مانسون) ، (الزوجة التي بيننا-غرير هندريكس، وسارة بكانن)، وغيرها من الأعمال...

تتناول الرواية قصة امرأة شابة مطلقة وبائسة ومدمنة على الكحول اسمها (راتشيل) ، تستقل القطار يومياً ذهاباً وإياباً في رحلة بين لندن وضواحيها ، وقد اعتادت خلال هذه الرحلة النظر إلى منزلٍ يقع على الطريق ويقطنه رجل وامرأة (سكوت وميغان) ، وكانت (راتشيل) تتابعهما يومياً أثناء جلوسها في القطار وعندما يتوقف القطار أمام الضوء الأحمر، تخيلتهما يعيشان حياة زوجية مثالية ، وتتخيل نفسها عندما كانت مع زوجها السابق يعيشون في بيت قريب من هذا، وكيف كانوا يتبادلون الحب ، ولكنه انفصل عنها بسبب إدمانها الخمر ، وعدم إنجابها للأطفال، وعقدة الأمومة هي ما دفع بها إلى هذه المستوى من الانحطاط والتوتر النفسي والقلق الوجودي.

 وتعد هذه الرواية من الروايات المشوقة والمثيرة والصادمة ، الموضوعات الأساسية التي تناولتها الكاتبة كانت عقدة النقص والحرمان من الأمومة التي كانت البطلة تعانيها ، إلى جانب الخيانة والعشق والكبرياء وحب التملك والخداع ، والأنانية المحضة برغبة الانتقام وتناقضات النفس البشرية ، كل هذه الموضوعات كانت بارزة  في مسار أحداث الرواية.

إدمان (راتشيل) على الكحول هيمن على أحداث الرواية بشكل كبير، ولكونها شخصية تعرضت لشتى الحروب النفسية ، بسبب زوجها ، وتدمرت حياتها صارت تعاني من مرض نفسي ومن (عقدة النقص) ، إلى جانب عقمها وعدم انجابها لذلك اتجهت لتعويض هذا النقص حتى تدهور حالها ، وصارت مدمنة بشكل مفرط ، لذلك تركها زوجها (توم) وتزوج (آنا) ، وكان (توم)  شخصية شريرة ويعاني من مرض نفسي ، فهو مدمن نساء ، لأنه لم يكتف بزوجته التي أنجبت له طفلة ، بل راح يخونها ، وإتخذ له عشيقة تدعى (ميغان) ، وكان يلتقي بها بشكل مستمر ، وشاء القدر وحبلت (ميغان) من عشيقها (توم) لا من زوجها (سكوت) وهنا بدأت الأحداث تتصاعد ، وتجرأت العشيقة (ميغان) في مواجهة عشيقها وطلب الاعتراف بهذا الحمل ، ولكن حصل شيء غير متوقع وهو استهزائه بها ومطالبتها بالاجهاض ، حيث صدمها هذا القرار، فقامت بشتمه بشتى أنواع الكلام وهددته بأنها تكشف أمره بإخبار زوجته، فلم يتحمل كلامها، لذلك ضربها وقتلها ودفنها في الغابة، ولسوء حظه، فبسبب الأمطار لم يستطع أن يتخلص من الجثة بشكل كامل ، والطين كان مبتلاً ، لذلك انتهى الدفن وهربَ خوفاً من أن يراه أحد ، لكن بعد أيام من التحقيق والبحث انكشف مكانها ، وتم العثور على الجثة ، فالأمطار الغزيرة ساعدت على ظهورها.

شخصية ( راتشيل) قُدمت كامرأة ذكية ، شديدة الترقب ، مزيج من الضعف والقوة ، الهدوء والهيجان ، وهي بسبب الخمر وطلاقها ، وطردها من العمل وإدمانها على الشرب كانت تحاول ملء فراغها بالسفر عبر القطار يومياً  فخلقت لها من خلال أحلام اليقظة عالماً سعيداً موازياً لعالمها الماضي وعيشها مع زوجها ، أما كيف خلقت هذا العالم ! فمن خلال سفرها اليوميً في القطار، خلقت في مخيلتها حياة رومانسية عذبة ومثالية لهذين الزوجين التي كانت تترقبهم بشدة من نافذة القطار، وكانت تتعذب إذا لم تراهما ذات يوم ، لكنها صدمت عندما رأت ميغان مع رجل آخر ويقبلها وهم في وضع عناق ، وبذلك تتحطم كل ما بنته لهما في مخيلتها من صورة رومانسية ومثالية حالمة ، تتعقد الأمور حين تختفي هذه المرأة في ظروف غامضة "اعتدت مراقبة هذين الزوجين المثالين ، وكانا مجرد تجسيد الحب الحقيقي، انهُ كنوع من الحب الذي تريده دائماً ، وبعدها قامت بخيانته ، وهي أثارت شيئاً في داخلي".

 شخصيات الرواية بما فيهما من أبطالها ( راتشيل) و( ميغان) كانوا يلعبون أدواراً مهيمنة على بناء النص السردي ، وكانت (ميغان) تعاني من عقدة النقص أثر عليها ذكرياتها البائسة وابنتها التي ماتت تحت يدها إثر إهمالها ، وهذه الحادثة ترك أثراً كبيراً على اللاوعي النفسي عندها ، وكانت غير سعيدة مع زوجها ما أدى إلى أن تبحث عن حضن دافيء لكي تروي عطشها وتشعر بكيانها ، ولكنها خدعت من قبل رجل مدمن نساء ولا يهمه أحاسيس المرأة إلآ ما يهمه هو مضاجعة عشيقته وزوجته ، وعندما حملت عشيقته ( ميغان) منه وواجهته وأرادت أن تحافظ على حملها ، لأنها عقدة الكبت والحرمان التي كانت تشعر بها إزاء طفلتها التي ماتت بين ايديها وهبها الشعور بالقوة في مواجهة الواقع والاحتفاظ بالحمل.

وإذا تعمقنا في البعد النفسي  نجد أن (ميغان) كانت لا تكتفي بعشيق واحد بل أخذت تقترب من طبيبها النفسي ، وتتخذه عشيقاً لها ، فهي لا تبحث عن الحب بل عن الاهتمام الذي هو جزء من عقدة النقص والمشاعر الأنانية في الشخصية.

والرواية تحولت إلى فلم سينمائي ضخم ؛ لأنها تحتوي على ركائز البناء التشويقي والتوتري للأحداث وتتابعاتها تطورت الروايات الحديثة ما أدى إلى إمتزاج وتداخل الفنون ، وتوظيف تقانات الفن السينمائي والمسرحي في الفن الروائي ، وهذا ما ساعد إلى إرتقاء النص السردي إلى مستوى عالٍ من التطور والتصوير الأدق للحالة النفسية والجسمية والحيثية للأحداث والشخصيات ، هذه الرواية تتمتع بأساليب كثيرة وتقانات الفن السينمائي ، وهذا ما ساعدها إلى أن تتحول إلى فلم ، وقد أضافت تقانات الفن السينمائي من التشويق ، والتوتر ، والمونتاج ،  وهذا ما جعل المتلقي ينصدم من حقائقها ، ويستمر في قرأتها بترقب شديد ، وعرض الفلم مشاهد جنسية جريئة ، لك يعري الذات الإنسانية ويكشف عن بواطن الشخصيات.

 تحويل العمل الروائي إلى عمل سينمائي ليس سهلاً، بل يحتاج إلى بنية سردية قابلة إلى التحول إلى الفن البصري ، وكما نجد هناك اختلافاً في رفض أو قبول تحويل العمل الروائي إلى السينما ؛ يقول ( طه حسين)  "السينما مفسدة للأعمال الأدبية"، والروائي (نجيب محفوظ) يقول: " لا يرضى عن جميع أعماله التي تحول إلى أفلام"، وأقوالهم تفسر بأن هناك ظلم لأعمالهم وعدم إعطاء حقها ، ولكن في الحقيقة يجب ألا ننسى تحول الرواية إلى عمل سينمائي يتضمن رؤية المخرج يستخدم تقاناته التصويرية ما يفيد ويثير الجمهور، يحذف أو يقرب بعض المشاهد يضيف عنصر التشويق ، لذلك ليست عملاً تطابقي مائة في المائة ، في السينما الصورة المرئية والبصرية مجسدة أمام المشاهد ، وفي السينما المخرج يضفي عليها ما يناسب ثقافته وجهة نظره إزاء الأحداث ، أما في العملية السردية نجد الكاتب ينسخ ويحبك البناء السردي بما يناسب  ذوقه وأسلوبه ، ونكون إزاء كلمات وتخيلات الكاتب ، وهذه الكلمات تأخذنا إلى عالم خيالي سحري يخلقه المبدع بحسب الخيال الخلاق.



صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
تابعنا على الفيس بوك
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار