اخر الاخبار
الشعبوية الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي

الشعبوية الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي

الشعبوية الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي

**رياض العلي

أثار وصول ترامب الى الرئاسة الامريكية ومن بعده جونسون الى سدة الحكم في بريطانيا الكثير من التساؤلات حول الشعبوية …
بالاضافة الى ذلك لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في اشعال الثورات في منطقة الشرق الاوسط فيما سمي ب ” الربيع العربي” .
فماهي العلاقة بين الشعبوية ووسائل التواصل الاجتماعي ؟

تعود نشأة “الشعبوية” إلى الفترة الواقعة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، حين بدأت نزعتها في كل من روسيا القيصرية والولايات المتحدة. وكانت في الأصل تُطلق على حركة زراعية ذات ميول اشتراكية سعت لتحرير الفلاحين الروس حوالي 1870، وتزامنت مع تنظيم احتجاجات في الريف الأميركي موجهة ضد المصارف وشركات السكك الحديدية.
يحددها قاموس “بوتي روبير” طبعة العام 2013 بأنها “خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النظام ومسؤوليه والنخب”.

المصطلح لا يزال غامضا، تتعدد دلالاته حد التناقض أحيانا وإن وجد “مارك فلورباني” أن الشعبوية تتمثل في بحث سياسيين يحظون بكاريزما عن دعم شعبي مباشر في خطاب عام يتحدى المؤسسات التقليدية، يقدمون أنفسهم ممثلين للمواطنين العاديين، أو ما يسمى الطبقات المنسية، فإن “يان فيرنر مولر” يعتبر العداء للبحث والمؤسسة معيارا غير كاف، لأنه يصم كل من ينتقد الوضع القائم بأنه شعبوي، مما يؤدي إلى مزيد من التشويش، فهناك أوضاع كثيرة قائمة لا تستحق النقد وحسب، بل والنقض أيضا. لذلك يقترح أن أهم ما في الشعوبية هو عداؤها للتعددية وزعمها أنها هي وحدها تمثل الشعب الحقيقي.
ومن اهم الكتب التي صدرت حول “الشعبوية ” كتاب “يان فيرنر مولر” المعنون “ما الشعبوية” الذي كتبه مولر أثر ندوة نظمتها كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية سنة 1967 حول مفهوم الشعبوية وترجمه “رشيد بوطيب” وصدر عن منتدى العلاقات العربية والدولية بعد نصف قرن من صدوره بلغته الاصلية.
عادة ما يتم الربط أيضاً بين الشعبوية ومشاعر الغضب والخيبة تجاه النخب. ويستعمل مصطلح الشعبوية لوصف حركات سياسية مختلفة من بوديموس في إسبانيا إلى اليمين النمساوي المتطرف بزعامة يورغ هايدر، ومن برلوسكوني في إيطايا إلى المرشح الرئاسي الاشتراكي الأمريكي بيرني ساندرز، ومن لوبان في فرنسا إلى إيفو موراليس في بوليفيا، ومن تشافيز في فينيزويلا إلى حزب سيرايزا في اليونان.
وفي شرقنا المظلم فأن أغلب الحكومات هي حكومات ذات طبيعة ديكتاتورية حتى لو كان شكل النظام ديمقراطي حيث أن الشكل الديمقراطي لا يعني وجود مظاهر الديمقراطية،هذه الحكومات نشأت بعد نهاية العصر الكولينالي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث تشكلت رؤية جديدة للعالم الا أن شرقنا بقي محكوم بنفس الطريقة التي تم الاتفاق عليها بعد نهاية الدولة العثمانية.
بقي الشرق يستمد كل شئ من منظومتين رئيستين الاولى هي منظومة الحكم والثانية هي المنظومة الدينية فلم يشهد المجتمع الشرقي اي ديمقراطية حقيقية ولا أي دور للشعب في اتخاذ القرارات المصيرية حيث أن تلك القرارات هي من صلاحيات – النخبة- ولم يخرج كل الشرق من هذا النفق المظلم الا في تسعينيات القرن الماضي حينما بدأت رؤية جديدة للعالم من خلال النظام العالمي الجديد حين أعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الأب في 17 كانون الثاني 1991 بداية النظام العالمي الجديد (New World Order) .وبدأت بوادر ظهور العولمة حيث بدأ الناس يتسائلون ويفكرون فما كان من الحكومات الشرقية الا ان اخرجت القمقم الاسلامي – الجهادية- من جديد لتغرق تلك المجتمعات في ملهاة ابعدتها عن المتغيرات العالمية حتى جاء العصر الذي ظهرت فيه تقنيات انترنيتية تتيح لكل انسان أن يأخذ المعلومة من غير تلك المنظومتين ( الرسمية والدينية) وفي الالفية الجديدة اخذت التقنية بعداً جديداً بظهور ما سمي بوسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من كل انسان يكتب ويقول ويعبر عما يريد بعيداً عن رؤية “الاخ الاكبر” في رؤية مابعد حداثية ذات طابع شعبوي.
في مابعد الحداثة التي ظهرت اصلاً كتعبير جديد في الهندسة المعمارية اخذت البشرية شكلاً جديداً مغايراً لمرحلة الحداثة ذات البعد اليقيني التفوقي للعلم في تقديم الاجابات غير ان مابعد الحداثة اعادت طرح الاسئلة من جديد وهذا حدث بعد مضي وقت طويل على طرح مفهوم جديد لمابعد الحداثة حيث أن بعض المفكرين حدد بأن مابعد الحداثة تعني قدرة – النخبة- على تقديم رؤية جديدة مغايرة الا ان ظهور وسائل التواصل الاجتماعي جعل من تلك النخبة تعيد تصوراتها بدون ان تقدم حلول حيث ظهرت بوادر مغايرة للشعبوية التي لا تؤمن بالاناركية ،فشعبوية العالم الجديد ليست اناركية فهي تؤمن بضرورة تحديث السلطة وليس انهاءها.
من اهم مظاهر هذه الشعبوية هو عدم ايمانها بالمنظومتين( الرسمية- الدينية) في تقديم الاجابات حيث ان شعار المظاهرات الشعبية يكمن في تغيير النظام وليس اللانظام او الفوضى،وهذا يعني ان المقدس البشري والديني لم يعد يهيمن في فكر البشر المتظاهرين او اسقاط الثوابت وبمعنى اخر ان لا يكون ثمة ثوابت اساساً.
وسائل التواصل الاجتماعي كانت فاعلة في تغيير طريقة تفكير الجيل الجديد ولو لاحظنا ان مظاهرات بعض الطلبة كانت ضد منظومة التعليم التي تقدم رؤية النظام السياسي والديني للقضايا الرئيسية.
ولو اتجهنا الى الادب والفن فأنه لم يعد ثمة قيمة معرفية وتقيمية للناقد التطبيقي الادبي والفني في تقديم النص والسينما بل اصبح الانسان هو قادر على تحديد مواطن القوة والضعف في المنتوج الادبي والفني فلم يعد المتلقي يقبل برؤية الناقد في معايير فوقية بتقييم المنتج وكلنا نتذكر تلك المقولة المصرية ( الجمهور عايز كدا) وهو ما يعني نقل الميزان التقييمي من الناقد التطبيقي الى مزاج الجمهور ،هذا الجمهور الذي لم يعد يقبل رؤية النخبة في التفكير نيابة عنه.
لذلك يمكن فهم حقيقة ان هذه الجموع التي تخرج في الشارع ليس لها قائد فهي لا تحتاج اليه بل هي خرجت ضد مفهوم القيادة بالاساس، فهي لم تعد تنتظر خطاب ” القائد ” كي يحدد لها ماتفعل.
في الشارع يحدث نفس الشئ ،فالشعار المصري الكبير ( الشعب يريد اسقاط النظام) ضربة ضد النخبة السياسية والدينية فكلنا نعرف ان المنظومة الدينية تحرم الخروج ضد الحاكم حتى لو كان ظالماً لكن الشعب لم يكن يريد اسقاط النظام وكفى بل كان يريد اضافة الى ذلك انشاء نظام شعبوي جديد يخرج من الشارع وليس من الغرف المخملية المغلقة التي ترتب كل شئ .
والشعبوية الجديدة ضد كل الايدولوجيات السياسية التي حكمت العالم في القرن العشرين ومازالت،فالشارع لا يهمه ماهي ايديولوجية الحزب او الخلفية الفكرية بقدر ما يهمه هو كيفية تقديم الخدمة وهذا ما تنبهت اليه الاحزاب الاوربية التي بقيت على اسماءها القديمة دون تقديم الاصول الفكرية الاساسية لها للجمهور فلم يعد الجمهور العادي يهتم بالخلفية الفكرية لحزبي العمال والمحافظين في انكلترا مثلا فالمعركة الان هي بين اليمين واليمين المتطرف اما اليسار فلا علاقة له بالحراك الشعبي او الشعبوية الجديدة فاليسار يصبح يمين اذا وصل الى السلطة.

العالم الذي نعيش فيه الان كل شئ فيه ممكن ولكن لاشئ متيقن دائما.

عن Resan