اخر الاخبار
الاعلامي الدكتور كاظم المقدادي يواصل كتابة اسطنبولياته

الاعلامي الدكتور كاظم المقدادي يواصل كتابة اسطنبولياته

اسطنبوليات / 3
ميناء امينونو / خاصرة اسطنبول .. وحزامها الذهبي

**الدكتور كاظم المقدادي 

عندما .. تجلس عند الغروب ، على ضفاف مضيق البسفور .. تجد نفسك وسط عالم من المتعة و الخيال ، ربما ستظن انها هي المدينة الفاضلة ، التي كتب عنها أفلاطون ، و أشاد بها الفارابي .
عشرات السفن والمراكب والعبارات .. تتحرك امامك ، ذهابا ، وإيابا ، وهي تبحر نحو القسم الاسيوي لاسطنبول .. من بعيد تتلألأ الاضواء الملونة ، حول جسر البسفور ، وكأنه في فرح ازلي .. و ترى المراكب وهي تنقل اليه مئات السياح ، صباح مساء ، و بسعر زهيد وسط اجواء من الالفة ، والانبهار .
امامك في الضفة المقابلة .. وعلى تلة شارع الاستقلال ، يطل عليك برج گلاطة ، معلنا سهرته اليومية .. مع المئات من السياح الذين يصعدون الى مطعمه الزاخر بكل الاصناف من الاطباق الشرقية والغربية .. بعض السياح يفضل البقاء في المقاهي الممتلئة ، والتي تحيط بساحة البرج المدورة .
في احدى سنوات السفر الجميل الى اسطنبول .. صعدت انا وزوجتي الى برج گلاطة .. فاذا بالنادل يسألنا .. من اي بلاد انتم..؟ قلت من العراق .. غاب عني ثوان ، وجاء بالعلم العراقي ووضعه على طاولتي ، وهكذا فعل مع بقية الزبائن .. وماهي الا دقائق معدودة .. حتى تبدل شكل القاعة ، وكانها من قاعات ( الامم المتحدة ) بسبب تنوع اعلام البلدان .. وسط موسيقى و اغاني ايام زمان .
على ضفاف امينونو .. اينما تولي وجهك ، ستجد الجمال والسحر يحاصرك .. ومن خلفك سترصد العشرات من الشواهد الحضارية ماثلة بتاريخها و عبق تراثها … هذا هو ( السوق المصري ) من ورائك تماما ، بعمارته وأقواسه الجميلة ، وبمداخله الستة المزحومة بالناس ، وهم يتوزعون على 140 متجرا معظمها تختص بالعطارة .. وسمي بالسوق المصري لان معظم البضائع كانت تصله من مصر عن طريق البحر ، وتاريخ بنائه ، يعود الى مطلع القرن السابع عشر ، على يد السلطان مراد الثاني .
وبجانب السوق يرتفع بخشوع الجامع الجديد .. الذي تم بناؤه في القرن السابع عشر ايضا ، بطلب من صفية والدة السلطان مراد الثالث .. وقد تم تصميم هذا الجامع بشكل فريد ، حيث توزعت القباب الصغيرة ، والكبيرة على محيطه بهندسة معمارية تلفت فضول الرائي . . وعلى يسارك تشاهد جامع السليمانية على تلة مرتفعة .. شيده السلطان سليمان القانوني في النصف الثاني من القرن السادس عشر ، الذي حكم الدولة العثمانية اكثر من خمسين سنة .. وجامع السليمانية يعد افضل ما قدمه المعمار سنان من تحف هندسية خلال عمله مع السلاطين .
وعلى بعد أمتار من ميناء امينونو ، تعثر على بناية البريد القديم .. ثم محطة سيركجي القديمة .. والتي منها يتحرك المترو الى القسم الاسيوي داخل نفق تحت البحر .. افتتحه الرئيس اردوغان واطلق عليه اسم ( أوراسيا ) لانه يربط اسطنبول بشقيها الاوربي والآسيوي .
وعلى مسافة من ضفة البسفور .. تمشي قليلا ،لتجد امامك جامع السلطان احمد .. وكنيسة ايا صوفيا ، التي بناها البيزنطيون قبل تاريخ فتح اسطنبول سنة 1453 على يد السلطان العظيم محمد الفاتح ، تحولت الى جامع في عهده ، واعادها كمال اتاتورك بعد اعلان الجمهورية ، الى مرفق سياحي يقصده السياح الاجانب .
وتشكل النافورة الوسطية الملونة .. حلقة مائية بين جامع السلطان احمد .. وكنيسة ايا صوفيا ،. ومكان استراحة وتأمل لهيبة المكان وقدسيته .
وتمشي قليلا من خلف ايا صوفيا.. فتجد نفسك امام ( الباب العالي ) وهو السراي القديم للحكومة .. وتدخل الباب ، فاذا بك بالمتحف العثماني الكبير ، يختزل تاريخ حروب الدولة العثمانية .. ويعرض للزائرين كنوز ومقتنيات الدولة العباسية.. وشواهد حضارية من بلدان اوربية وآسيوية ، كانت خاضعة للسلاطين ، في قرون عزهم ، ومهابتهم .
عدت أدراجي الى ميناء امينونو الجميل .. واطلعت على معلومة تقول / ان هذا الاسم يعني ( امام الامانة ) .. اي امانة الكمارك ، التي كانت من اول المؤوسسات الحكومية التي تم بناؤها في حزام امينونو .
المعروف .. ان التطور الكبير لهذا الميناء التجاري المهم حدث اثناء .. حكم السلطان عبد الحميد الاول ، وقد شهدت امينونو تغييرات متواصلة ، بسبب توسيع مقتربات السوق المصري القديم ، وبسبب بناء جسر گلاطة الذي يربط امينونو بالجهة المقابلة ( كارا كُوي ) و شهد الجسر اول قاطرة ترامواي في اسطنبول تصل بالركاب من الضفتين .
ونعود الى ذاكرة الجسر .. هو جسر الصيادين و جسر السمك .. وليس ( السنك ) لكثرة المطاعم التي تختص بتقديم الأسماك كوجبة رئيسة .. ولهذا الجسر ذكريات رومانسية في حياة العشاق الاسطنبوليين .. فمنه كانوا يشترون بطاقات الحظ و اليانصيب بسحبة أسبوعية .. و عليه كانت تتم المواعيد العاطفية .
تم تشييده من قبل السلطان عبد المجيد الثاني في سنة 1845 وكان صنعه من مادة الخشب .. مما جعله عرضة للتلف والاندثار .. لهذا باشر امير البحرية حسن احمد باشا .. بإعادة تشييده ليكون الجسر من مادة الحديد .
وقبل هذا التاريخ .. وفي القرن السابع عشر تحديدا ، كان السلطان بايزيد قد طلب من النحات الايطالي ميكيل أنجيلو ، مهمة بناء جسر يربط ضفتي مضيق البسفور ، واصطحب معه الرسام دافنشي .. لكنهما وبعد ان وصلا ميناء بندك في الطرف الاسيوي ، لكنهما عادا الى إيطاليا بطلب من الحكومة الايطالية ، بسبب التزامهما باكمال اعمال مدهشة ، كانت علامة فارقة لعصر الباروك ، الذي كثرت فيه بناء الكنائس ، والجسور ، ونحت التماثل العملاقة .
يذكر الرحالة ( اوليا تشلبي ) ..ان منطقة امينونو اشتهرت ببناء القصور الفخمة لرجال الدولة ، وازدهر فيها العمران لقربها من سراي الحكومة .. اضف الى ذلك وجود الآلاف من البحَّارة والتجار والعمال الذين يعملون حول دائرة الكمارك القديمة .
وقد ازدهرت امينونو ايضا في زمن السلطان عبد العزيز .. ففي عهده أسست الجمعية الخيرية للنقل البحري ، و تاسيس اول ترامواي تجره الخيول ، والذي تطور فيما بعد الى ترام كهربائي .
وفي هذه الايام السياحية .. تزدان امينونو بأجواء رومانسية رائعة لانخفاض درجات الرطوبة .. وتراها وقد تحولت الى كرنفال يومي ، ملون ، وبهيج .. يمتد من مضيق البسفور .. وحتى القسم الاسيوي الذي ازدانت ضفافه هي الاخرى بتجمعات بشرية لاحدود لها .
امينونو وحدها ، تستوعب يوميا بحدود مليون سائح .. مع كثرة المطاعم والمقاهي والفنادق والمولات والمحال التجارية .. و وجود اكبر سوق للهواتف الذكية ، والاجهزة الالكترونية .. ولهذا الاسباب تناقص عدد القاطنين من سكان امينونو القديمة .. لحساب توسع الرقعة السياحية .. لكنك ما ان تغادر امينونو ، حتى تفكر بالعودة اليها سريعا ،، & / يتبع د كاظم المقدادي

عن Resan