اخر الاخبار
الف رواية ورواية يجب أن تقرأها ” علي حسين “

الف رواية ورواية يجب أن تقرأها ” علي حسين “

الف رواية ورواية يجب أن تقرأها


بقلم :علي حسين
قبل ما يقارب العشر سنوات قرأت هذا التحقيق المثير الذي نشرته جريدة النيويورك تايمز ” بعنوان ألف رواية ورواية يجب أن تقرأها ” وقد نبهتني اليه الكاتبة الكبيرة السيدة ابتسام عبد الله ، وأتذكرا قالت ان السيدة ابتسا م قالت لي : لو قرأت في الشهر الواحد ثلاث روايات ستحتاج ما يقارب الثلاثين عاما لكي تنجز هذه المهمة ، قلت لها وانا اضرب الارقام في حاسبة الهاتف سنحتاج 27 عاما وثمانية اشهر بالتمام والكمال ، وكلما زاد عدد الروايات في الشهر الواحد كلما تقلصت المدة. كان كاتب التحقيق يشير لى عدد من الأعمال الكلاسيكية ثم يصل الى روايات القرن السابع عشر، ثم تتسلل العناوين عنده من قرن إلى آخر حتى الزمن الحاضر، واتذكر ان الزمن آنذاك كان عام 2008 ، اما المكان فكان غرفة السيدة ابتسام في صحيفة المدى ..في التحقيق ينبهنا الكاتب الى ان اهتمامنا يقتصر على الروايات الحديثة ومعها التي كتبت بعد الحرب العالمية الثانية، ويتساءل: ألا يستحق عصر روايات بلزاك وديكنز وديستويفسكي وتولستوي اهتماماً أكبرمن القراء ؟
وقد سأل كاتب التحقيق 150 ناقداً واكاديمياً وكاتباً لتقديم قوائمهم لافضل الروايات بالنسبة اليهم. .وهو يقول :” هدفي ان اثيراهتمام الناس حول تلك الروايات ” .والمثير في التحقيق ان كاتبه يشير الى بعض الاعمال التي يقترحها على القراء فنجد روايات لـ دون ديليلو ، ، فيما ينحاز الى كازوو أشيغورا الذي فاز بنوبل بعد نشر التحقيق بتسعة سنوات – حصل على نوبل للاداب عام 1977 – في مواجهة هاروكي موراكامي
ولأن معظم النقاد الذين زودوا الكاتب بقوائم افضل الاعمال، كانوا من البريطانيين فان للروايات الانكليزية نصيب الاسد في هذه القائمة ، اما الروايات الامريكية فلها حصة لا بأس بها: سبع روايات لفيليب روث
عند قراءتي للتحقيق وقفت عند اسماء لم اقرأ لها من قبل في ذلك الوقت فباستثناء رواية ” بقايا النهار ” لكازوو أشيغورو فان اسماء مثل فيليب روث ودون ديليلو ، كنت اسمع بها لكنني لم اقرأ لها عملا روائيا ، وبالمصادفة كنت قد قرأت انذاك كتابا ممتعا بعنوان ” قصص التحول في الادب العالمي ” وفيه يضع المؤلف مقارنات بين مؤلفات غوغول وكافكا وفليب روث ..قلت لنفسي حينها ان فيليب روث هذا حتما كاتب كبير ، وإلا لايمكن وضعه في مصاف عباقرة من امثال غوغول وكافكا .. هكذا بدأت حكايتي مع فيليب روث الذي غادر عالمنا عام 2018 قبل ان ينال جائزة نوبل اليت استحقها عن جدارة وظل اسمه لاكثر من عشر سنوات على قائمة الترشيح
كان فيليب روث قد قرر عام 2011 اعتزال الكتابة، حيث كان يرى أنه لم يعد يجد منفعة في الرواية، كما كان الحال من قبل، ويعزو سبب ذلك في ردّه على أسئلة الصحافيين”لقد نضجتُ!”..
في سنواته الأخيرة ظل يعبّر عن سروره لأنّه أصبح”حرّاً”!، فهو مرتاح لقرار إنهاء مسيرته كأحد أكثر الكتّاب الأميركيين شهرةً في العالم، لم يعد يشعر كما قال بالطاقة لإدارة الإحباط المرافق للحالة الإبداعيّة،”ليس لديّ الطاقة على تحمل الإحباط، إن تكتب يعني معايشة حالة إحباط يومي، دون أن أتكلّم عن الاهانة”!.
قبل هذا القراركان يأمل في إنهاء عشرة أعوام من النحس النوبلي، لكن الجائزة دائماً ما كانت تخدعه. ولم يكن أمامه من خيار غير أن يعيد قراءة الروايات التي أحبها على مدار عقود من عمره، فلوبير هنري جيميس وليام فوكنر والمعلم فرانز كافكا، وقال للصحافيين: إنه يقرأ لكي تزداد أفكاره عن الحياة. وصفه النقّاد بأنه امتداد لوليم فوكنر ولسكوت فيتزجيرالد صاحب غاتسبي العظيم، قال للصحافيين بعد قراره باعتزال الكتابة :”أردت أن أرى إن كنت قد أضعت الوقت بالكتابة!”. مع انه لا يشكك بالقيمة الإبداعية لما كتب، ويرى أنه مارس مهنة الكتابة بنجاح وبذل ما بوسعه من أجل أن يقدم الحقيقة مجردة للقرّاء. طلب من القائمين على موقع”ويكيبيديا” إزالة جملة تقول إن كتابته”موضع إلهام لبقيّة الكتاب”.
لا يصعب على فيليب روث الذي ولد في نيويورك عام 1933 لعائلة يهودية، استعارة حياة الآخرين وتغليب طابع السخرية عليها. روايته الأولى”وداعاً كولومبوس”الصادرة عام 1959، لفتت أنظار النقاد إليه. لكن روث يرفض القول إنه كتب رواية عن تاريخ أميركا، إنها حياته التي أراد أن يفككها ليفهم كيف يفكر ابناء الطبقة الوسطى من اليهود وهم يعيشون في مدينة كبيرة مثل نيويورك.. بطل الرواية يعمل في وظيفة بسيطة يحصل من خلالها على أجر متدنٍ، يعاني من صراع الهوية الذي يطارده كظله، ظل الكاتب الوحيد الذي يجد القرّاء اسمه على ترشيحات نوبل كل عام، ولم يصدّق القرّاء والنقّاد أن الجائزة تدير ظهرها له، أهم روائي في أميركا حسب استطلاعات القرّاء، وربما كان أحد الأسماء القليلة التي تعرّف عليها القارئ العربي بسبب وجوده الدائم على قائمة المرشّحين لجائزة نوبل. مع أن اعماله التي ترجمت الى العربية قليلة جداً – من بين واحد وثلاثين عملاً روائياً كتبها فيليب روث خلال حياته لم تُترجَم له في العربية سوى أربعة اعمال”الحيوان المحتضر”و”كل رجل”و”سخط”و”الوصمة البشرية”- كان يخشى أن ينساه القرّاء، يقول لكاتب سيرته :”لا اخشى الموت لكني أخشى النسيان أكثر، أخاف من ألاّ أكون مفعماً بالحياة، ببساطة أخاف من ألا أشعر بالحياة، من ألا أشمها، أحضن بين ساعديك الحياة مثلما تحضن امرأة ليكون لديك الشعور الأفضل ولكن على امتداد سنوات تلت، قد قررت ألاّ أفكر بالموت أبداً. أصعب أنواع الوداع هي تلك التي تقولها لذاتك، وبشكل عميق وسري.”
اغرم في شبابه بأدب فرانز كافكا :”قرأت ما يكفي من كافكا في حياتي.، ودرسته وعلمته ثم أعدت قراءته كاملاً”، ويتذكر أن رواية”المسخ”سحرته منذ الصفحة الأولى، فحاول تقليدها، جلس ليكتب روايته الأولى عن رحلة شاب مغمور في مدينة كبيرة، وفيها يطرح اسئلة عن جدوى الحياة ومصير الإنسان. وبالرغم من أن والدته اخبرته أن روايته ممّلة ولا معنى لها، لكنه جازف وأرسلها الى احدى دور النشر قائلاً لأحد اصدقائه:”أخيراً وجدت مهنة تناسبني.. إنها الكتابة”.. لتحصل الرواية”وداعا كولومبيس”على جائزة الكتاب الوطني للرواية، وتتوالى بعد ذلك الجوائز التي بلغت 19 جائزة، أشهرها بوليتزرومان بوكر الدولية، وثلاث مرات جائزة فوكنر، ليتوّجها بالحصول على جائزة كاتبه المفضل كافكا، ويصبح بعد ذلك واحداً من أهم أربعة كتّاب في تأريخ الأدب الأميركي الى جانب وليام فوكنر وسول بيلو وجون أبدايك. ومثل كافكا كان جميع ابطال رواياته يعانون قلقاً وجودياً، ويعتقدون أن ثمة مؤامرة تُحاك ضدهم يقول لكاتب سيرته بليك بيري :”شخصياتي في حالة دائمة من اللا توازن، على حافة السقوط، هي ليست حالة احباط، ولكن على الأرجح هي حالة تعطيل أو إلغاء.”
يجمع النقاد على أن روايته”الحيوان المحتضر”– صدرت عن سلسلة الجوائز في مصر بترجمة مصطفى محمود – هي من أكثر رواياته، كشفاً لسيرته الذاتية، وظل النقاد يعقدون مقارنة بين سيرة روث، وبين سير بطل الرواية الاكاديمي”دافيد كيبيش”المهموم في سؤال الوجود، والمنشغل دوماً بالبحث عن اطياف الماضي وعن معنى الموت وأهمية الجنس..إنها سيرة غنيّة بالتفاصيل لرجل عرف الحياة جدياً، وعاشها بكل تفاصيلها، ولهذا نجده يتحدث عن علاقاته بالنساء اللاتي تركن أثراً عميقاً في الروح، وعن أخريات تركن أثراً عابراً، يتحدث عن زواجه الفاشل، وعن مغامرات عاطفية كشفت له اسرار الجسد البشري ” الجسد يحوي الكثير من قصص الحياة تماماً مثل العقل”..
في الرواية يجد القارئ نفسه امام إحالات واقتباسات لشخصيات روائية وروائيين مشهورين، ويعثر في صفحاتها على أسماء لفنانين وموسيقيين ورسامين معروفين، وقادة وسياسيين، وأسماء لأفلام ومسرحيات ومقطوعات موسيقية، كل ذلك يحاول فيليب روث أن يجد له حيّزاً في مفكرة بطل الرواية الاكاديمي، الذي يرى المواضيع من منظاره الخاص، المملوء بالحجج الفلسفية والحوار النخبوي. حيث نجد بطل الرواية في النهاية يعيش يأساً من هذا العصر المغلف بالأفكار المجردة، والذي لايبالي لتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة والجميلة.
في”كل الرجال”التي ترجمها الى العربية مصطفى محمود ايضا . نحن إزاء شخصية تؤمن بأنّ لا حياة بعد الموت، ورغم هذه الفكرة إلاّ أن الرواية اعتبرها النقّاد رواية موت بالدرجة الأولى، بدءاً من موت الأب والأم وصولاً إلى موت البطل الذي تبدأ به الرواية، لنجد أنفسنا أمام فلاش باك طويل يتقاطع فيه الماضي مع الحاضر، حيث يضعنها فيليب روث من الصفحات الأولى أمام بطل يعجّ بالرغبة الجسدية التي سرعان ما تتحول إلى تعاسات نفسية، ولا يتوقف الأمر عند حدود فشله الدائم مع زوجاته وحبيباته، ولكن يشمل ارتياب الجميع فيه، ونبذه أو اتهامه بالدائم بالخيانة، اضافة الى أنّ القارئ سيشعر الشخصية تبدو كما لو أنها ولدت مريضة وبلا سبب، وكأنه مصاب بلعنة غير معروفة، والمدهش أن أمراضه مع تنوعها لم يكن لها علاج غير التدخلات الجراحية، بدءاً من الفتاق الذي أصابه في صباه، وانتهاءً بعملية توسيع الشرايين التي توفي فيها، مروراً بسبع عمليات جراحية على مدار سبع سنوات متوالية، خضع خلالها لتخدير نصفي أتاح له أن يرصد لنا كل الإجراءات التقنية التي اتخذها الأطباء معه، أما الموت فحضوره كان دائماً ومتنوعاً، بدءاً من ذلك الصبي الذي اضطر الأطباء إلى الإجهاز عليه تخفيفاً لآلامه مروراً بوفاة أمه ووالده وصولاً إلى موت زوجته وأصدقائه، وقد احتلت مشاهد المقابر وحفار القبور وطقوس الدفن مساحة واسعة في الرواية.. ومن اجل الرواية هذه قضى اكثر من اسبوع في إحدى المقابر :”لأرى كيف يحفرون المدافن، ويهيأون القبر..”.
ويعود روث لموضوعة الموت في روايته سخط – ترجمها الى العربية خالد الجبيلي – نقرأ تفاصيل الاحداث على لسان”ماركوس مسنر”وهو يحتضر، حيث يستعيد سنوات دراسته الجامعية عام 1951، في ضوء فترة مفصلية من التاريخ الأميركي الحديث. خلال السنة الثانية للحرب الكورية، يترك البطل الشاب ماركوس مسنر منزل والده للالتحاق بالجامعة، هرباً من اقتياده إلى الحرب ومن سلطة والده وحرصه. الاكتشافات الجنسية المدهشة، وضياع الانتماء الديني للطالب اليهودي الذي يعلن إلحاده لاحقاً، وطبعاً الموت المطبوع على معصم أوليفيا عشيقته التي تكبره سناً، هي عوالم الرواية الأساسية. نقرأها بلسان البطل الميت.
في رواية الوصمة البشرية – ترجمتها الى العربية فاطمة ناعوت – نجد بطل الرواية كاتب روائي شهير”ناثان زوكرمان مصاب بالسرطان فيعتزل الحياة، إلاّ أن، يقتحم عزلته أستاذ جامعي”كولمان سيلك”الذي يطلب منه كتابة روايته الحزينة، وتبدأ معه صداقة طيبة لينشغل ناثان”بحكاية صديقه هذه حتى النهاية.. حيث نجد أن”كولمان سيلك”كان قد تنكرمن عرقه الأسود، مفضّلاً اختيار طريق رأى أنه سيفتح له الأبواب المغلقة، وذلك بالتنصل من هويته العرقية. فيقدم نفسه للمجتمع على أنه أبيض اللون ويساعده لون بشرته الفاتح واختلاف تقاسيمه التي ورثها من أحد أسلافه في سبك خيوط الكذبة!.. ثم لاحقاً بعد عمله لسنين بروفيسوراً في الجامعة يقضي على مستقبله الأكاديمي عندما يرفض الدفاع عن نفسه أمام لجنة تحاكمه في الجامعة بتهمة العنصرية ضد السود بناءً على زلة لسان، رأى فيها المجتمع الأكاديمي ما يشي بالعنصرية العرقية.. فيفضّل تقديم استقالته من الجامعة على البوح بأصله العرقي الأسود الذي كان يمكن أن ينقذه من التهمة!.. فظل يحمل وصمته البشرية على عاتقه وينوء بتبعاتها النفسية الثقيلة وعقد نقصه، فرغم بياض بشرته الظاهري ظلّ يتعامل مع ذاته وهويته من منظورها العرقي الافتئاتي الضيق!
وفي الرواية هناك الجندي الذي تلاحقه لعنة الحرب الفيتنامية وتدفعه في النهاية الى الخضوع لجلساتِ علاجٍ نفسية تعجز عن تخليص ذاكرته مما رسخ فيها من صورٍ عن الموت والعنف والاستهتار بحياة البشر. ونجد روث يكشف بدقّة عن مقدار اللعنة التي شعر بها الجنود الأميركيون الذين شاركوا في حرب فيتنام. هذه اللعنة التي كانت سبباً في تفكيرهم، بأنّ هذه الحرب هي وصمة عار في تاريخ حياتهم وبلادهم.
في تزوجت شيوعيا – ترجمها الى العربية اسامة منزلجي وهي الكتاب الثاني من ثلاثية بدأها روث بحكاية امريكية التي صدرت ترجمتها العربية حديثا ، ثم تزوجت شيوعيا واخيرا الوصمة البشرية ”
يرى النقاد في روايته ” تزوجت ” شيوعيا محاولة للانتقام من المراة التي ارتبط بها اكثر من عشرين عاما حيث يتذكر حياتهما معا ، من خلال تسليط الضوء على المرأة الخائنة التي وضعت كتاباً يفضح زوجها السابق بصفته شيوعياً. ورغم ان الرواية تناقش موضوعة الخيانة الا انها تكشف اسرار المكارثية التي كانت تسيطر على الثقافة الاميركية في الخمسينيات والتي بسببها تعرض كثير من كتاب اليسار الى الملاحقة .
ظل فيليب روث مشغولاً بالمجتمع الأميركي المعاصر، وخصوصاً بالشعارات الزائفة عن الحرية والديمقراطية والمساواة، بينما تتغلغل في جذوره أزمة العنصرية بشكل واضح. ولهذا يجد روث في انتخاب دونالد ترامب كابوساً جديداً تعيشه أميركا :”الكابوس الّذي تعيشه أميركا اليوم – وهو في الحقيقة كابوس- يرجع إلى أنّ الرجل الّذي انتُخب رئيساً يعاني من نرجسيّة مفرطة، إنّه كذّاب كبير، جاهل، متعجرف، كائنٌ وقِح تُحرّكه روح الانتقام ومُصاب بالخرف مسبقاً. وإذ أقول ذلك، فأنا أُقلّل من عيوبه إلى أدنى حدّ. إنّه، يوماً بعد يوم، يثير سخطنا بسلوكه، ونقص خبرته وانعدام كفاءته. ولا حدود للأخطار الّتي يمكن لجنون هذا الرجل أن يجُرّها على البلاد وعلى العالم أجمع”.
في آخر حوار معه قال روث ردّاً على سؤال، كيف يرى حياته الآن؟:”حياتي هي ما جرى لي على المستوى الأدبي. الكتب التي كتبتها، الأصدقاء الذين صاحبتهم، النساء اللاتي عرفتهن، الصحة، كل هذا جاءني.. لا أعرف إن كنت نجحت أو فشلت، كل ما أستطيع قوله، إنني بذلت كل ما في وسعي. بالضبط: بذلت أفضل ما في وسعي”.
يكتب الروائي الأميركي بول اوستر في وداع روث:”لقد كانت لديه مهنة طويلة، كل كتبه أثارت المناقشات وكانت نادرة في ثقافتنا”.
اما إيشيغورو الذي نصفه ياباني ونصفة انكليزي ، فقد قرات له رواية بقايا النهار في بداية التسعينيات وكانت قد صدرت ترجمتها في بغداد عن دار نشر كانت تديرها السيدة امل الشرقي ،بعدها صدرت ترجمة اخرى للرواية عام 2008 عن المركز القومي للترجمة في مصر بعنوان ” بقايا اليوم ” في معظم اعماله الروائية تجاوز إيشيغورو لعبة الرواية الممتعة إلى الأدب الذي يكشف الحقيقة القاسية خلف تفاصيل الحياة اليومية، كتب عن الحياة التي يشوهها الكذب، وتساءل ما الذي يجعل الإنسان يتحول الى تابع لأفكار الآخرين، قال يوماً لزوجته إنه يريد أن يكتب رواية عن الناس الذين لايعرفون سوى الطاعة المطلقة. ولم يخطر في باله أنّ الفصل الذي استبعده من روايته الشهيرة”بقايا اليوم”- ترجمها الى العربية، طلعت الشايب – سيباع بمليون دولار عدّاً ونقداً، كان الأديب الشهي احتفظ بهذا الفصل الذي لم يعجبه في بداية الأمر، لكن جامعة تكساس رأت فيه مفتاحاً للدخول الى عالم هذا الروائي المثير للدهشة، وحين تسأله صحيفة نيويورك تايمز عن هذا الأمر يقول :”لو كنت أعرف أنّ هذه المسودات مهمة لتمسكت بها، مثلها مثل وطني الذي غادرته وأنا في الخامسة من عمري دون أن أنطق بكلمة وداع.”
في بقايا النهار، نقرأ عن رئيس الخدم الذي يعيش في قصر قديم يجد نفسه يتحول مثل المتاع من سيد الى آخر، وعليه أن يكون مخلصاً، إن لم يكن عبداً، إنه في خدمة هذا المكان حتّى وأن تغير صاحبه وفي النهاية، هو في خدمة الولاء المطلق، وحين يعرض عليه المالك الجديد أن يكون شريكاً يرفض، فهو لايصلح سوى لدور واحد هو دور التابع، وفي مشهد مؤثر يصب جام غضبه على الأقدار ويتساءل: هل كان من الضروري أن يموت والده في اللحظة التي سيقدم فيها الشاي لسيّده؟
أبطال إيشيغورو دائماً ليسوا هم أصحاب القرارات والمواقف العظيمة، يقول في حوار معه إن:”ابطالي هم الثانويون. هؤلاء الذين أبحث في طباعهم وضعفهم البشري عن تفاصيل الأنماط الجماعية”.
ولد إيشيغورو في مدينة ناكازاكي المنكوبة بالقنبلة الذرية عام 1954 ثم انتقل في السادسة من عمره إلى بريطانيا مع عائلته، وبعدها بسنوات حصل على الجنسية البريطانية. وقد صنّفت رواياته ضمن قائمة لأعظم 50 روائياً انكليزياً منذ عام 1945.
روايته البوليسية”عندما كنا نياماً” والتي رشحت لجائزة البوكر – ترجمت الى العربية من قبل طاهر البربري – حاول فيها أن يتبع خطى البريطانية اغاثا كريستي، لكنه يعترف للصحافة أنه فشل فشلاً ذريعاً بالرغم من ولعه بقصص أغاثا كريستي البوليسية ومحاولاته تقليدها. كما قال إن دافعه لكتابة الروايات هو المحافظة على نسخة من بلده الأصلي اليابان آمنةً،:”أن أصون اليابان أدبياً”، وفي رواية عندما كنا نياماً، نقرأ حكاية قوم يتعافون من دمار القنبلة الذرية الواقعة على ناكازاكي، دمار كابدته كثيراً والدة إشيغورو. قال للصحافيين:” لقد أرادت أمي أن تبقي اليابان حيّةً في ذهني”.
قال إنه كتب في التاسعة والثلاثين من عمره روايته”مَن لا عزاء لهم”وهو يخوض أزمة منتصف العمر، بعد أن أدرك أن الكُتاب يخطّون أجمل روايتهم قبل سن الأربعين.
في رواية” مَن لا عزاء لهم” التي ترجمها الى العربية طاهر البربري، نحن امام حكاية تدور فى إطار غرائبي، حيث نجد”رايدر”عازف البيانو يصل إلى قرية صغيرة ليقوم بعمل مهم، لكنه يواجه عالماً جديداً، فيختلط عنده الواقع بالحلم، وتكمن عناصر الإثارة في هذه الرواية في عدم الاستقرار الذي تشهده الأحداث باستمرار، فتدفع القارئ للتفاعل معها، ويُعد النقاد هذه الرواية، بأنها علامة في حياة إيشيغورو الأدبية.
وعلى الغرار نفسه يقدم لنا إيشيغورو رواية” فنان من العالم الطليق” – ترجمتها الى العربية هالة صلاح الدين – حيث نتعرف على اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما انتاب الشعب الياباني من مشاعر حين وجد نفسه إزاء حروب متواصلة، مرة يربح ومرات كثيرة يخسر. ومن خلال صفحات الرواية نقرأ معنى الخوف والهزيمة. يقول ايشيغورو عن روايته هذه إنها :”تُمدد وعي القارئ لتعلّمه أن يقرأ متسلحاً بالمزيد والمزيد من التبصر”.
في الرواية إدانة لوحشية الحروب، ويحاول إيشيغورو أن يحذرنا، لكنه في الوقت نفسه، يقدم حكاية تذكار عن المآسي. نقرأ على لسان البطل:”هؤلاء من أرسلوا الشباب إلى الميدان ليموتوا ميتتهم الشجاعة، أين هم اليوم؟ يواصلون حياتهم مثلما اعتادوا طيلة عمرهم، والعديد منهم أنجح من ذي قبل، يتصرفون بتأدّب أمام الأميركيين، هم عين الأشخاص الذين قادونا إلى الكارثة. ومع ذلك نلبس الحداد على الموتى. هذا ما يجعلني غاضباً. يموت الشبّان الشجعان لأسباب غبية، والمجرمون الحقيقيون ما زالوا معنا، يركبهم الخوف من أن يَظهروا على حقيقتهم، من أن يعترفوا بمسؤوليتهم”.
في روايات إيشيغورو، سوف يجد القارئ نفسه أمام أشخاص عاجزين عن التواصل مع من حولهم، غير واثقين من صلاحية أفكار الحرب والسلام، وهو يقدم في معظم أعماله الروائية والقصصية، مجتمعاً ينقسم بين جيل يريد تكريس قدراته ليحقق أغراضاً نفعية، حتّى وإن كان عن طريق الحروب والموت والدمار، وجيل آخر يتطلع إلى مستقبل أفضل في ظل السلام.
وانا افتح صفحة احدى الروايات كل مساء اسأل نفسي : اي نوع من انواع المعرفة التي نكتسبها من قراءة الروايات ؟ احد الردود ا تضعها لنا شارلوت برونتي صاحبىة الرواية الجميلة جين أير حين تقول : ” معرفة القلب الانساني ” او ما سماه جان جاك روسو في روايته ” اميل ” العقل الانساني ، فالروائي لديه الوسائل التي يصل بها الى الافكار السرية لشخصياته . في الفصل الاول من ” توم جونز ” يخبرنا هنري فليدنغ ان روايته اشبه بمقطوعة من فن الطبخ ، لذا فان فيلدنغ يطمئن قارئه ان روايته ستبدا بمادة جيدة وواضحة ، ثم تقدم طعاما دسما بعد ذلك ..ولهذا كان اميل زولا يؤمن إن ” الروائي بوصفه خالق عالم المحاكاة ، مدبر امر هذا العالم : فهو الي يضع قوانيه الناظمة ، ويسير بخطوط الحوادث ألى غايتها ، ويسير كل شيء حسب ما تمليه حكمته الحصيفة . من الممكن اذن ان نرى إلى اي حد تتوافق قوانين سلطته الخلقية مع القوانين التي تتحكم بالسياق الواقعي للاشياء ” .
والآن ربما يسال البعض هل الروائي مطلوب منه ان يكون حياديا . في مقدمة ” الكوميديا الانسانية ” يؤسس بلزاك عقيدة حيادية للروائي الواقعي فيكتب :” تعتبر الصدفة اكبر روائي في العالم ، وكي تكون مثمرة ، ليس علينا سوى دراستها .سيكون المجتمع الفرنسي مؤرخا ، ولم يكن علي ان اكون سوى سكرتير ” ، إلا ان موباسان له راي اخر حيث تكمن قدرة الرواية على صنع الحقيقة من خلال تقديم الوهم الكامل للواقع .. ولهذا فالروائي الواقعي الموهوب في نظر موباسان هو اشبة بـ ” مخادع ” ، وسوف تاتي ناتالي ساروت بعد اكثر من خمسين عاما لتجمع عام 1956 مقالاتها عن الرواية في كتاب تضع له عنوان “عصر الشك ” تعلن فيه ان ما تصفه لنا الرواية يمثل جزءا خادعا من الحقيقة ” جزءا منعزلا تماما ” ، فيما يعلن ميشال بوتور في كتابه ” نحو رواية حديثة ” من ان ” الرواية هي خيال ذو حدود ” .
طلبت احدى المجلات من الروائي إي. إم. فورستر ان يضع تعريفا للروية بجملة قصيرة جدا فكتب :” الرواية هي كتلة هائلة عديمة الشكل ” .

عن Resan