اخر الاخبار
“دراسة نفسية جديرة بالقراءة لمستخدمي الفيس بوك”

“دراسة نفسية جديرة بالقراءة لمستخدمي الفيس بوك”

فيسبوكيات النخب الثقافية

“دراسة نفسية جديرة بالقراءة لمستخدمي الفيس بوك”

د.ياس خضير البياتي

مؤخرا التحق أطباء الأمراض النفسية بركب فيسبوك، ووجدوا في دهاليزه ما يساعدهم على فهم أفضل لمرضاهم، وبدأ بعضهم يتحدث عن صفحة شخصية بإمكانها أن تعوض سرير الطبيب النفسي، فالصور يمكن ان تعكس سلوكيات الفرد وحالته النفسية، ويمكن لتحديثات فيسبوك والصور أن توفر ثروة من المعلومات عن المستخدمين حسب دراسة نشرت بدورية (لا نسيت) للطب النفسي، كما يمكن استخدامها في الكشف عن عوامل الصحة العقلية في دراسة جامعة كامبريدج البريطانية. وفي هذا السياق قدمت الباحثة إليزابيث مارتن من جامعة ميسوري الأميركية بحثا خلصت فيه إلى أنه يمكن قراءة نفسية الشخص الذي يتعاطى فيسبوك، ولاحظت مثلا أن الشخص الذي يبدل دائما صوره الشخصية ربما يعاني فقدان الثقة، أو فقدان للعلاقة الحميمية، أو نرجسية مرضية، او شعور بالاضطهاد أو الفشل. وربما كان أحد اسباب استهلاكهم هذه الوسيلة هو (إسقاط حاجتهم النفسية المكبوتة التي لا يستطيعون إظهارها في الواقع، ولإشباع حاجاتهم النفسية المفقودة). العراق، حسب الدراسات النفسية والاجتماعية العربية والدولية الأخيرة، أصبح موطن الامراض النفسية كالاكتئاب والنرجسية وانفصام الشخصية والسادية بعد الاحتلال، حيث لاحظت هذه الدراسات بان النخب الثقافية والعلمية هي الأكثر وضوحا وممارسة في السلوكيات المرضية من العامة، لأسباب كثيرة بعضها يعود الى انها هي أصلا مصابة بهذه الامراض نتيجة إحساسها الدائم بالظلم والاضطهاد والقهر والعزلة. لذلك ظهرت النرجسية المختبئة في شخصيتهم، فلا يمر لحظة في أي مكان دون التقاط الصور لأنفسهم ورفعها على صفحتهم، وما بين آخر يدون كل ما يجول في خاطره، ولو كان حول طعامه وشرابه وما يلبسه في يومه، وبعضهم يفتخر انه شبيه بالفنان الفلاني وببطولاته الغرامية رغم دخوله شيخوخة العمر وفقدانه للطاقة الجنسية ، وآخرون يتبجحون بزياراتهم الدينية الى المراقد الدينية لحصولهم على الاجر والثواب ،وآخر يستعرض مرضه بالتفصيل الممل من الالف الى الياء، حتى بتنا نرى اشبه بمسلسلات تلفزيونية تؤرخ لكل حركة وهمسة وايماءة، وكلها لا علاقة بمتابع فيسبوك، لأنها خصوصيات فردية غير صالحة للنشر والتباهي.
ولأنني لا اريد ان يكون مثل هذا الموضوع صحفيا فقط بدون سند علمي، فقد قمت بدراسة هذه الظاهرة في بعدها الاجتماعي والنفسي في بحث علمي سينشر في مجلة بحوث العلاقات العامة المصرية قريبا، حيث وصلت الى استنتاجات علمية من خلال تحليل مضمون منشورات النخب العلمية والثقافية العراقية لمدة 6 أشهر على موقع فيسبوك باستخدام المقاييس العلمية، وأساليب المنهج البحث العلمي، حيث تم اختيار 200 عينة من الادباء والفنانين وأساتذة الجامعة وحملة الشهادات العليا من الرجال فقط. وبعيدا عن تفاصيل البحث ومنهجه وتكنيكه وطرقه الإحصائية المتبعة التي لا مجال ذكرها في هذه المقالة، فقد لاحظت الدراسة ان مرض الاكتئاب والنرجسية والنفاق الاجتماعي وازدواجية الشخصية وانفصامها يسيطرون على محتوى المنشورات المنشورة من خلال المقاييس العالمية لهذه الامراض، كالاستخدام المستمر لضمير المتكلم (انا)، الذي يعكس انشغال الشخص بمشاكله وهمومه فقط، مثلما يعبر كذلك عن نرجسيته المريضة، كما لوحظ بأن التعليقات تميل الى الشعور بالوحدة والحزن والتعب والتناقض والاضطهاد والإصابة بأمراض جسدية التي ترتبط غالبا بالاكتئاب. كما لاحظت الدراسة ان ظاهرة النرجسية التي تعرف بأنها (اهتمام استثنائي او عجب الذات)، أصبحت اشبه بنشاط رياضي في فيسبوك، وتعبر عن مستوى متضخم ومتطرف من حب الذات ،والاهتمام الزائد بالنفس لصالح إشباع رغبة الرضا عن الذات، والمبالغة في أهميتها وقدراتها ليصل الى مرحلة (اضطراب الشخصية النرجسية)
وضمن مقاييس المنهج النفسي ،فقد وجدنا ان هناك تسعة معايير في منشورات النخب الثقافية تتطابق مع ما هو منصوص عليه في الدليل التشخيصي والإحصائي الذي يستخدمه أطباء النفس والباحثون حول العالم وهي :أحساس متعاظم بأهمية الذات ،وخيالات بالنجاح والنفوذ ،واعتقاد بخصوصية الذات وتفردها ،والمطالبة بتلقي إعجاب مفرط، وإحساس بالاستحقاق، والاتسام باستغلال الأشخاص، والافتقار إلى إظهار التعاطف مع الآخرين، والحسد من الاخرين، واستظهار سلوكيات واتجاهات متغطرسة متعجرفة. وأظهرت الدراسة أيضا بروز ظاهرة سماها بعض الباحثين (متلازمة ذو الوجهين) التي تعٌرف بأنها مجموعة الأعراض المرضية التي تظهر بشكل متلازم ومتتالٍ نتيجة عادات الانسان السيئة ،وهي ظاهرة النفاق الاجتماعي ،ووجود شخصيتان منفصلتان ، شخصية افتراضية فانتازيا موجودة فقط على فيسبوك وغيرها من وسائل التواصل ،وشخصية أخرى واقعية مناقضة للشخصية الأولى لا بل قد يصل الأمر أن يشك الإنسان هل هذا الشخص في العالم الافتراضي هو نفسه الذي عرفناه في الواقع!
علينا ان نلفت النظر، من باب العلمية، بأنه ليس كل العينات مصابة بالأمراض النفسية، وليس كلها بنفس قوة الدرجة من المرض، لكن معظمها تعاني من تضخم مرضي في الذات، وسرطنة في النفاق الاجتماعي، وازدواجية في الشخصية، واكتئاب متأصل في الجينات إذا صح التعبير، وذلك بنسبة 88.7 بالمئة مقارنة بالآخرين الذي لم تتحقق بيانات ومقاييس البحث اصابتهم بالمرض وهم 11.3 بالمئة.
باختصار، صفحة فيسبوك مرآة لشخصيتنا وسلوكنا، هي عيادة نفسية لمعرفة امراضنا التي نجلد فيها ذواتنا وذوات الآخرين ،فنبصر الجذع في عيون الاغيار، ولا نرى الجذوع في اعيننا، لكن المشكلة الحقيقية كما يرى البعض في تجاوز أمراضنا النفسية ،وعلى رأسها الفصام والنرجسية والنفاق،هي في الإستجماتزم الأخلاقي، والحول القيمي في نظرتنا للأمور، المشكلة أيضا في الحشرية ،ونسيان أخطائنا الماضية، والتعامل مع الآخرين من منطلق تعالى المثالي على الخطّاء، وفي هوس الوصاية، وحب الذات المريضة ، تعليق المشانق لشخص، وتعليق أطواق الياسمين لشخص آخر اقترف نفس الخطأ، هو بالمجمل خلل واضطراب وتشوش رؤية ومرض نفسي بامتياز. خوارزمية فيسبوك، هي لعبة الانسان الجديد، يخفي به إخفاقاته وإحباطاته، وانكسار أحلامه الكبيرة والصغيرة معاً، وليعوض به ما كان ينقصه أو ما يمكن أن ينقصه حسب توترات الحياة وتطوراتها، لذلك لا شيء محسوم علميا في عالم فيسبوك، هو ليس شرا مطلقا، لكنه قد يكون وصفة مجدية للتخفيف من رهاب المجتمع، وصعوبة إثبات الذات، مثلما قد يكون استخدامه تدريبا رياضيا لقذف بكتريا النفاق والمجاملات الفارغة، وجرعة دواء مر، لمن تضخمت لديه الغدة النرجسية النشطة بحب الذات وتدمير الآخر

عن Resan