اخر الاخبار
شباب آيـــــــل للسقوط

شباب آيـــــــل للسقوط

شباب آيـــــــل للسقوط


بقلم أ.د . إخلاص باقر النجار/ كلية الادارة والإقتصاد— جامعة البصرة
كل شيء تغير في بلادي بعد أن دنسه الاحتلال في عام 2003 ، تكالب عليه القاصي والداني ، سرق خيراته ودمر كل شيء حي فيه ، صناعته وزراعته وتجارته وأثاره وماءه وهواءه ، وثرواته الحيوانية نالها ما نالها من المكائد تارة إنفلونزا الطيور وأخرى الحمى النزفية ونفوق الأسماك والحبل على الجرار مسلسل دموي لتدمير البلاد بحلقات مستمرة آخرها حرق محاصيل الحنطة قبل الحصاد، وانعدام الخدمات بكل تفاصيل الحياة وتفاوت طبقي مقيت ، وبطالة لم يشهد لها مثيل ، ونشر لبذور الجهل والتخلف في المجتمع، فبعد أن كان التعليم إلزاميا في الثمانينات وتترتب عقوبة على من لا يرسل أبناءه للمدرسة ، أصبح القانون اليوم غير ملزم وغير ساري المفعول ، وقد تسيدت الأمية على شباب الجيل الجديد ، وأخرجت الجامعات العراقية من التصنيف العالمي ، وأصبح العراق من البلاد السيئة في كل شيء بحسب مؤسسات التصنيف العالمية سواء الأمن أو الخدمات أو جواز السفر الخ ، فظهر الجيل المتأثر بثقافة الاحتلال واللامبالاة والتفكك الأسري والاوشام واشارات الايدي الغريبة واللا أمن والبطالة في البلاد وانتظار المجهول .
وليس هذا وحسب بل ظهرت لغة حوارية جديدة ما انزل الله بها من سلطان ، لم اسمعها في طفولتي أو دراستي الجامعية ، أتذكر جدتي رحمها الله تعالى عندما كانت تأتي إلينا تقول : نزلت من السيارة ومشيت في الجادة حتى وصلت ، وعندما سألت وقتها عرفت أنها تقصد بالجادة الطريق وغيرها من المصطلحات ذات الصلة باللغة العربية ، أما لغة التحاور اليوم بين بعض الشباب بقاموس جديد وبمصطلحات تروج لها بعض القنوات التلفزيونية ، ولو فتشت عنها في المعاجم والمراجع اللغوية لن تجد لها أصلاً لغوياً ، على سبيل المثال لا الحصر ( زاحف ، حديقة ، سجاج ، سيليت ، قطاط ، الخ) ، من المفردات السمجة التي درجت على ألسن الشباب اليوم وتمكنت منهم وكأنها لغتهم الأم يتحاورون بها بشكل طبيعي وسلس ، وبهذه اللغة الحوارية المنحطة تحقق هدف الاحتلال وأذنابه في نشر بذور الجهل والتخلف وان لم نقض على هذه المفردات السلبية ستغرس وتنمو وتترعرع في الأجيال القادمة .
جيل تتلمذ على ثقافة الاستهلاك واللهو ، لا يفقه ثقافة قراءة الكتب الخارجية ، كنت استعير القصص أيام الاعدادية في يوم الخميس حيث نهاية الإسبوع واقرأها وأرجعها بداية الإسبوع التالي وأتناقش بفخر مع الطالبات حول ما قرأت وعدد ما قرأت من الكتب ، وليس هذا وحسب كنت قد أفردت دفتر خاص أدون فيه المصطلحات الجديدة التي عرفتها من الكتاب الجديد تضاف إلى خزين المعلومات الموجودة في ذاكرتي ، وما زلت أحتفظ به للآن ولفرط شغفي بالقصص والروايات أصبحت أقرأ الرواية في يوم واحد حتى أرجعها واستعير غيرها ، وفي داخلي رغبة جامحة في الطيران بجناحي النسر والسعي بخطوات العملاق في مجال العلم والمعرفة ، اقرأ الكتب حتى وان لم افهم بعض مفرداتها في حينها ، ولكن أدونها في دفتري لأسأل عنها في وقت لاحق من الحياة ، وكلي يقين وإيمان بأن الشمس ستبقى تشرق من جهة الشرق فقط وسأصل إلى ما اصبوا إليه وسأقرأ أكبر عدد ممكن من الكتب ، مهما كبر حجمها حتى لو كانت أكبر من قصة عنتر وعبلة التي زادت على الألف صفحة ، هذا فضلا عن الثقافة التي نتربى عليها وهي ثقافة القرآن الكريم ، ومن أنعم الله علي وعلى عائلتي أمي تقرأ القرآن يومياً وفي الكثير من الأحيان نغفو على صوتها الشجي ، فأن لم يتعلم المرء في صغره يصبح على شفا جر هارٍ من ثقافة الحديث مستندين على القول : (التعلم في الصغر كالنقش على الحجر).
وذات مرة قلت لأحد الطلبة أحسنت ماما أبتسم ، فقلت له رد علي فقال مبتسما ماذا أقول ، قلت له قل : أحسن الله إليك دكتورة ، ثم قلت لأخر جزاك الله خيرا ، فلم يجب أيضا ، فقلت له قل وجزاك الخير بمثله ، ثم قلت لثالث تمام على إجابته ، وطلبت منه أن يجيب فأبتسم وقال وهل يوجد إجابة أيضا على كلمة تمام ، فقلت له نعم أتم الله أعمالك ، أما الرابع فقال : أنا اعرف كل هذه البديهيات ولكن استحي أن أقولها لأننا لم نتعود عليها ، جيل اليوم مبتلى بثقافة استهلاك الوقت وتضيعه عبر الكثير من الألعاب الالكترونية وأبرزها البوبجي التي تخامر العقل وتشده إلى حيث اللا وعي واللا وجود واللا وقت واللا هدف واللا حياة يسعى جاهدا ليتعلم القتل فقط يبقى مشدوداً إلى أن ينتهي الشحن وتزغرد عصافير الصباح معلنة بداية يوم جديد فشل في استقباله .

عن Resan