اخر الاخبار
البنك العثماني  في البصرة.. كيف بدأ وكيف انتهى؟ 

البنك العثماني في البصرة.. كيف بدأ وكيف انتهى؟ 

في تعليق للسيد سعد النعيمي حول تشييد الاعدادية المركزية وكيف ان المبلغ المكرس لاستكمال بنائها اودع في ما يطلق عليه البنك العثماني مستغربا عن ان هذا البنك او البانق لم يعد موجودا بعد سقوط الامبراطورية العثمانية ومجيء حزب الاتحاد والترقي عام 1908 ، والواقع ان هذا البنك استمر لغاية ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ولكن ما هي حكاية تأسيس هذا البنك ؟ يجيب عن هذا التساؤل الفصل المكرس في مخطوطة كتابي المعنون ( بصرة الامس .. صور وحكايات ) حيث اوردت فيه حكاية هذا المصرف بالشكل التالي :
البنك العثماني .. كيف بدأ وكيف انتهى؟ 

**محمد سهيل احمد

* بريطانيا على سبيل المثال وبعد جهود مضنية دامت اكثر من قرن تمكنت من الحصول على بعض الامتيازات عن طريق عقدها لمجموعة من الاتفاقيات مع الجانب العثماني
**كان معظم تجار بغداد ، في نهايات القرن التاسع عشر من الشباب اليهود بسبب اتقانهم لأكثر من لغة وبراعتهم في الاعمال الحسابية

من بين عدد من الصور التي أثارت انتباهه ، أراني الزميل الكاتب ياسر جاسم قاسم واحدة من الصور التي تمثل مبنى بمدخل شارع الوطني تعلوه لافتة مكتوب عليها ( البنك العثماني Ottoman Bank وسمي ايضا البانق العثماني) ، طارحا سؤالا لم يخل من انتباهة ذكية جاء في شقين : لماذا البنك العثماني ولماذا لا يتوافق مبنى البنك وشكل طرازه مع التسمية ؟
هذه المفارقة التي حملها استغراب الكاتب الصديق تركتني في حيرة من امري ، ما حدا بي لمراجعة اكثر من مصدر مع تنقيب دقيق وتأمل استغرقاني جهدا ووقتا لتفكيك هذا ( اللغز ) التاريخي المرتبط بمدينتنا . لقد انتهى الحكم العثماني مع انقلاب الاتحاد والترقي عام 1908 . ومن بعد هذا التاريخ تهاوت الامبراطورية العثمانية عمودا تلو عمود وسقفا بعد سقف . كيف اذن يمكن لبنك ذي مبنى يغلب على واجهته العمرانية انه ينتمي للفترة الملكية ، وفي التسعينات من القرن المنصرم أصبح مقرا لبنك الرافدين فرع 96 قبل انتقال الأخير الى الركن المقابل لأسد بابل ، ان يسمى البنك العثماني في حين ان تلك الدولة قد دالت منذ ما يقارب القرن ؟!
غلطة الشطار !
ومن اجل اضاءة هذا ( اللغز ) لا بد من العودة لتاريخ الوكالات التجارية والشركات والمصارف الاجنبية . فبادئ ذي بدء عقدت الدولة العثمانية سلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات ومنحت العديد من الامتيازات التجارية للدول الأوروبية في عنفوان مجدها ، من اجل تنشيط الحركة التجارية . الا ان تلك الاتفاقيات والامتيازات أصبحت في فترة ضعف الدولة وإبان التطور الصناعي والرأسمالي وبالا عليها وصارت سلاحا بيد تلك الدول التي اخذت تتدخل في شؤونها من اجل ايجاد موطئ قدم لها . بريطانيا على سبيل المثال وبعد جهود مضنية دامت اكثر من قرن تمكنت من الحصول على بعض الامتيازات عن طريق عقدها لمجموعة من الاتفاقيات مع الجانب العثماني . وما ان قدم عام 1834 حتى جعلت الباب العالي يصدر فرمانا لصالح يتعلق بحماية السفن التجارية في شط الفرات وتسهيل الملاحة في نهر الفرات .
البنك العثماني في البصرة
كانت واحدة من التكتيكات التي استخدمتها السياسة البريطانية السعي لاستثمار الاموال في الدولة البريطانية ، وقد رافق تلك الحالة البدء بتنشيط وتنمية الحركة التجارية والنشاط المصرفي في عموم اراضي الدولة العثمانية . وكان افتتاح البنك الامبراطوري العثماني او البانق العثماني سنة 1893 في بغداد مع فتح فرعين له في البصرة والموصل في عام 1894 وبرأس مال قدره نصف مليون جنيه استرليني محاولة لربط الاقتصاد العثماني والعراقي بشكل خاص ببريطانيا . كما جرى وعلى المنوال نفسه افتتاح البنك الامبراطوري الفارسي في اكثر من مدينة عراقية بعد ان برزت الحاجة الى وجود نظام يقوم بحماية المصالح البريطانية .ففي منتصف شباط من عام 1917 دعى البريطانيون الى اجتماع حضرته ادارات تلك المصارف . يقول احد الساسة الانكليز في هذا الصدد : ” كان مصدر تمويلنا بالقرانات الفارسية في ذلك الوقت يتم عن طريق البنك الفارسي الامبراطوري الذي احتكر الأعمال البنكية منذ اغلاق فروع البنك العثماني اثر انهيار الامبراطورية العثمانية ” .

التجار اليهود
كان معظم تجار بغداد ، في نهايات القرن التاسع عشر من الشباب اليهود بسبب اتقانهم لأكثر من لغة وبراعتهم في الاعمال الحسابية . فعلى سبيل المثال عائلة ساسون وتعد من ابرز العائلات اليهودية واشهرها في عالمي المال والتجارة في العراق وخارجه . ومن الاسر اليهودية حزقيال بن علي بن قباعي وعائلة سياك وسمخ وعزرا ويهودا التي استقرت في بومبي وكلكتا الهنديتين اضافة الى اسرة صفرا التي انطلقت تجاريا من حلب بسوريا . كما اشتهرت عائلة زلخا التي انشأت مشاريع تجارية في اوروبا والولايات المتحدة وبعض البلدان الاسيوية ، وكذلك آل بشيوتو وعطية الاسبانيتان اصلا وكذلك عائلة الباز . كما لا ننسى دور حسقيل ساسون أول وزير للمالية بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة ممثلة بالملك فيصل الاول في 1921 . وهو اول مؤسس للنظام المالي في الدولة العراقية وواضع واحدة من ادق الخطط لاصدار عملة عراقية وطنية .

من وقائع ما سبق نستدل على الحقائق التالية :

الحقيقة الاولى ان النفوذ الكولونيالي البريطاني ، لا سيما على الصعيد التجاري ، في العراق وعموم منطقة الخليج لم يحقق اهدافه دفعة واحدة بسبب التواجد الاستعماري العثماني لدولة فتية احتلت الوطن العربي لأربعة قرون متتالية مما اضطر الجانب البريطاني الى الاعتماد على الشركات والوكالات البريطانية والمحلية وبشكل غير مباشر ؛ الى ان دخلت الدولة العثمانية في فترة الرجل المريض ما اتاح للقوى الكبرى التوغل بأسماء شتى فالبنك العثماني اسس برؤوس اموال بريطانية ويهودية . والحقيقة الثانية من سمات ذلك الصراع استخدام مبدأ الازاحة عن طريق شتى الوسائل الملتوية والقانونية فقد أزاح الهولنديون النفوذ البرتغالي وجاء النفوذ البريطاني ليزيح القوتين .كان وما زال الصراع معلما من معالم الأنشطة التجارية والسياسية .
باختصار شديد البنك العثماني في تمويله وميزانيته ما هو الا مؤسسة مالية بريطانية استمرت بالعمل لغاية ثورة الرابع عشر من تموز حين أطيح بالحكم الملكي وجرى تأميم معظم المؤسسات المرتبطة بالخارج عدا القلة كمؤسسة توماس كوك المالية .
وقد صدق من قال : إذا عرف السبب بطل العجب ! 

* الصورة لمبنى ( البانق العثماني ) والذي احتله في التسعينات وربما حتى قبل ذلك مصرف الرافدين رقم 96 .قبل انتقاله الى موقعه الحالي المجاور لاسد بابل

عن Resan