اخر الاخبار
فيلم الخبز الحافي  ( الجرأة والمفارقة في النصين الأدبي والفيلمي ٍ)

فيلم الخبز الحافي  ( الجرأة والمفارقة في النصين الأدبي والفيلمي ٍ)

**كاظم مرشد سلوم – ناقد سينمائي

ربما يكون الطرح الجرىء في كلا النصين الادبي والمرئي هو مايميز ” الخبز الحافي ” الرواية والفيلم إضافة الى المفارقة التي يكتشفها القارىء والمشاهد بمعرفته ان الروائي المغربي الكبير محمد شكري لم يتعلم القراءة والكتابة الا في سن الحادية والعشربن من عمره ، ومع ذلك اصبح واحدا من اهم الروائين العرب ،
” الخبز الحافي ” هي سيرة ذاتية عن حياة الكاتب التي تألفت من ثلاثة اجزاء هي ،زمن الاخطاء ، ووجوه ،والخبز الحافي ، كتبت في العام 1972 ولم تنشر باللغة العربية الا في العام 1982 ، والسبب في ذلك هو الجرأة الكبيرة التي تضمنتها والتي اعتبرتها الرقابة خروجا على تقاليد المجتمعات العربية وقول ما لا يجب ان يقال .

المخرج الجزائري رشيد بن حاج تصدى لتحويل الرواية الى فيلم مبقيا على عوامل نجاح الرواية ، في المحكى الفيلمي حيث الجرأة في العديد من المشاهد الجنسية والممتدة على معظم وقت الفيلم تقريبا .
مكان الفيلم الدائم هو مدينة طنجة منذ العام 1942 وانتهاءا بالمشهد الاخير من الفيلم ، مدينة طنجة عام 2003 ،بالحاج حاول خلق حالة من التعاطف مع بطل الفيلم منذ المشهد الاول حيث الصبي محمد يبحث في القمامة عما يأكله هو وعائلته ، ليعثر على دجاجة ميتة فيفرح بها ، في اشارة الى انه لم يتعلم اصول الدين والحلال والحرام بعد ، وان المسلم لا ياكل الميتة ، حتى وان كان جائعا الى حد كبير ، امه هي من تخبره بذلك وترمي ما اتى به في القمامة رغم بكاء ابنها الاصغر عبد القادر من شدة الجوع ، محاولا القول ان الفقراء ربما يكونون اكثر التزاما من غيرهم ، ولا ادري هل نسي الكاتب والمخرج النص القرأني الذي يقول في نهاية اية التحريم (( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة َ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))
شخصية الاب شخصية قاسية ، بقسوة الظرف الذي تمر به البلاد والعائلة ، حيث الفقر المدقع الذي يضرب بالبلاد بسبب الاحتلال الفرنسي ، لم يتعرض بن حاج اليه بالتفاصيل فأخذ شخصيته من الوسط ، عند دخوله البيت يستفز من بكاء ابنه وفي محاولة لاسكاته يضع يده على فم الصغير ولا ينتبه الا بعد ان موته ،الامر الذي يشكل نقطة الفراق بين الاب والابن الكبير محمد الى اخر حياتهم.
يدفن الصغير وتبقى زيارة قبره هي الشغل والهم والالتزام الكبير لمحمد شكري .
الفيلم وبسبب اعتماده على النص الروائي اتخذ نسق السرد التتابعي متخذا من خط سير حياة الفتى محمد موضوعا له ” قام بدوره الممثل سعيد تغماوي “، مظهرا الانتقال الزمني من خلال كتابة التاريخ على الشاشة بينما المكان ثابت وهو مدينة طنجة .
معاناة الفتى محمد تستمر ولم يعد يلتزم بموضوعة الحلال والحرام ، يظهر ذلك من خلال مشهد شواء محمد لدجاجة ميتة واكلها قرب قبر اخيه .
يتعرض محمد الى الاستغلال الجنسي من قبل احد الاجانب حيث يصطحبه بسيارتة قرب شاطىء البحر ، عارضا عليه مبلغا من المال مقابل ذلك ، في اشارة الى علاقة محمد شكري بصديقه
الاسباني في الرواية ، فيوافق واول ما يفعله بالمال هو عمل شاهدة لقبر اخيه عبد القادر ، حيث ينتبه الى الطريقة التي يكتب فيها الحجار اسم اخيه على الشاهدة ، ليربط ذلك في اخر الفيلم بمشهد كتابة المعلم لقصيدة ابو القاسم الشابي على جدار السجن ولحظة تعلم محمد شكري للكتابة في سن الحادية والعشرين .
عمل محمد في احد المقاهي الساحلية بتوسط من ابيه شكل علامة فارقة في حياته ، حيث يبدأ بشرب الخمر وتدخين الحشيش ، بمساعدة عامل المقهى الاكبر سن منه ، لكنه يطرد من المقهى بعد ان يضبط من قبل صاحب المقهى وهو ثمل الامر الذي يجعل والده يقتص منه بقسوة ، يقرر على اثرها ترك البيت نهائيا ، ولا يعود اليه ابدا الى نهاية الفيلم ، رغم تلعقه بامه واخته الصغيرة التي ولدت بعد وفاة اخيه عبد القادر .
عامل المقهى ياخذ محمد الى احد دور البغاء ليكتشف محمد اسرار الجسد الانثوي بعد ان كان يراقب مضاجعة ابيه لامه ، حتى في يوم دفن الصغير عبد القادر .
العديد من المشاهد الجنسية توظف وتعرض بجرأة كبيرة ، ربما لم نراها في العديد من الافلام العربية وربما بعض الافلام العالمية ، وفي وسط ذلك يكتشف محمد ان ثمة ثوار ينادون بتحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي . من خلال دخوله بمظاهرة لهم بشكل عفوي ، وهروبه من الجيش الفرنسي بعد محاولة القبض عليه وهو وسط التظاهرة ،ولجؤه الى احد البيوت حيث احد الشباب في عمره يساعده على الهرب ولياخذه الى احد البيوت البعيدة والتي يمتهن صاحبها مهنة التهريب ، ووجود اثنين من النساء مدمنات على الخمر والحشيش ، يبدو ان صاحب المنزل قد احتجزهن منذ وقت طويل ، حيث تنشأ علاقة بينه وبين احداهن فيمارس الجنس معها عدة مرات لكنها تصده مرة واحدة فقط كونها تمر بالدورة الشهرية حيث لا تجوز معها المضاجعة عند المسلمين ، واعتقد انها لاتجوز حتى عند غير المسلمين ، الامر الذي يثير استغرابه في التعامل مع الحلال والحرام من امرأة مثلها، فيتعاطف معها واعدا اياها بالهرب سوية ، لكن يلقى القبض عليه ومعه مصوغات ذهبية اعطته اياهها “قامت بدورها الممثلة الايطالية مارسيا تيديشي ” لتدبير امر هروبها من البيت .
في السجن كانت نقطة التحول في حياة الشاب محمد حيث يلتق بالمعلم الثائر ضد الاحتلال ، ويعجب من طريقة كتابته على الحائط الصخري بواسطة مسمار كبير تذكره بطريقة كتابة الحجار لشاهدة قبر أخيه ، فيقرر تعلم القراءة والكتابة وبمساعدة المعلم الذي يتحمس للذلك ، ويعطيه عنوان لاحد المعلمين لاستمرار تعلمه ، وهو في سن الحادية والعشرين وهي المفارقة التي يكتشفها المشاهد في ان شاب لا يتعلم القراءة والكتابة الا في هذا السن ومع ذلك يصبح روائيا كبيرا .
استخدم المخرج رشيد بن حاج عناصر اللغة السينمائية بشكل رائع فحركة الكامير في جميع المشاهد كانت محسوبة بدقة ، ورسمت جميع المشاهد بما يوحي ان الزمان والمكان هي الاربعينات في مدينة طنجة .
ربما حاول بن حاج اختصار العديد من الصفحات في الرواية ، بسب عامل الزمن في الفيلم السينمائي لذلك قد يجد المشاهد الذي سبق وان قرأ الرواية ان ثمة تفاصيل اهملت كونها لا تؤثر على السرد الفلمي وهدف ايصال ثيمة الفيلم ، المتمثلة بالسيرة الذاتية للروائي محمد شكري التي اثارت ومازالت العدي من الاشكالات والتي ربما تشابه الى حد كبير السيرة الذاتية لجان جينيه .
واعتقد ان الفيلم بحاجة الى جزء اخر لاستكمال السيرة الذاتية للروائي محمد شكري وليس اقتصار ذلك على المرحلة الاولى من حياته ، على الاقل حتى لايقال ان الفيلم قد راهن على نجاحه من خلال اظهار المشاهد الجنسية في الفيلم ، مستندا على ورودها في الرواية .

عن Resan