اخر الاخبار
النهوض بالجامعات العراقية ضرورة وطنية

النهوض بالجامعات العراقية ضرورة وطنية

أ.د. داخل حسن جريو عضو المجمع العلمي العراقي

تعود بداية التعليم العالي في العراق إلى ما قبل بداية تأسيس دولته الحديثة عام 1921, حيث تأسست أول كلية للحقوق في العام 1908 . كان التعليم االعالي في معظمه تعليما رسميا وممول حكوميا . وتعد جامعة آل البيت التي أسست في عهد الملك فيصل الأول، أول جامعة عراقية في العصر الحديث. بعد صدور الإرادة الملكية السامية بتأسيس جامعة آل البيت في العراق،حيث تألفت في 11 كانون الثاني 1922 هيئة تأسيسية برئاسة الاستاذ محمد علي فاضل أفندي وزير الاوقاف وعضوية كل من الخبير البريطاني كوك مستشار وزارة الاوقاف والمهندس المعماري البريطاني ويلسن مدير الأشغال العامة وصالح الملي رئيس مجلس وزارة الاوقاف وحمدي الاعظمي مدير الأوقاف والاستاذ فهمي المدرس العالم والأديب العراقي المعروف.ومنذ ذلك الحين قطع التعليم العالي في العراق شوطا مهما,ليبلغ عصره الذهبي في عقد السبعينيات, حيث أصبح التعليم العالي مجانا ومتاحا لجميع طالبيه , فضلا عن تأمين فرص العمل المناسبة لجميع خريجيه. إمتازت منظومة التعليم العالي بالرصانة العلمية العالية التي جعلتها واحدة من أفضل منظومات التعليم العالي في البلاد العربية. وبرغم ما تعرض له العراق في العقود اللاحقة من حروب تسببت بتدمير بنيته التحتية وفقدان الكثير من مقومات الحياة الأساسية , وإضطرار الكثير من علمائه للهجرة بحثا عن ملاذات آمنة , فقد بقيت منظومة التعليم العالي قادرة على تلبية حاجات العراق من الكوادر العلمية والتقنية التي لا تقل مستوياتها العلمية عن مثيلاتها في البلدان العربية , بفضل تضافر جهود نخبة خيرة من ابناء العراق آلت على نفسها خدمة العراق في ظروفه الصعبة المتمثلة بشح الموارد والمستلزمات الدراسية بسبب الحصار الشامل الذي فرض على العراق سنين طويلة دون وجه حق, حيث لم تتوقف المسيرة التعليمية , بل العكس كان صحيحا حيث أستحدثت جامعات وكليات ومراكز بحثية متخصصة شملت جميع محافظات العراق, ليصبح عدد الجامعات (20) جامعة حكومية وثلاثة هيئات تعليمية متخصصة هي : هيئة التعليم التقني والهيئة العراقية للإختصصات الطبية والهيئة العراقية للحاسبات والمعلوماتية , و(11) كلية أهلية , وإسئناف الدراسات المسائية في معظم الكليات بإستثناء كليات المجموعة الطبية والزراعة والبيطرة والهندسة المعمارية بشرط خضوع هذه الدراسات لتعليمات ومناهج الدراسات الصباحية عدا شرط معدل القبول. كما تم التوسع ببرامج الدراسات العليا وبخاصة برامج الدكتوراه التي كانت محدودة في الكم والنوع قبل العام 1992,في إطار حشد جميع قدرات الدولة العلمية وبخاصة كوادر الدوائر والمؤسسات من حملة شهادة الدكتوراه لأغراض المشاركة في التدريسات والإشراف على رسائل وأطاريح طلبة الدراسات العليا مع أعضاء الهيئات التدريسية, وذلك لغرض توفير الكوادر التدريسية التي تحتاجها الجامعات ومؤسسات الدولة المختلفة , بعد أن أغلقت بوجهها جميع الأبواب الخارجية التي كانت تحصل من خلالها على فرص تأهيل الكوادر التي تحتاجها من خلال البعثات والإجازات والزمالات الدراسية. وإزداد الترابط بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات الدولة المختلفة في مجالات البحوث والدراسات العلمية والإستشارات ,من منطلق ترسيخ العلم منهجا ومحتوى، فكرا وتطبيقا، والاخذ باسلوب التفكير العلمي واستخدامه في معالجة القضايا والمشكلات في تطوير المعرفة العلمية الحديثة وتنمية الابداع ودعم أساليب الانتاج في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات ضمن مفهوم الجامعة المنتجة المتفاعلة مع بيئتها والملبية لحاجات مجتمعاتها, ليصبح هذا الترابط إنموذجا يمكن أن يقتدى به من قبل الجامعات الأخرى في البلدان النامية الساعية لإمتلاك ناصة العلم والتقنية المتقدمة. كما أولت الدولة العلماء والباحثين والعاملين في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي برعاية خاصة بما يمكنهم من تحقيق رسالتهم في استتباب العلم وتطويره في اطار من البناء العلمي والمعرفي والقيمي, بإصدارها قانون رعاية العلماء والمبدعين والمفكرين ذي الرقم (1) لسنة 1993. وبعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 شهد قطاع التعليم العالي فوضى عارمة ما زالت فصولها مستمرة حتى يومنا هذا, حيث أنيطت مسؤولية إدارته إلى عناصر أقل ما يمكن وصفها, بقلة الخبرة وضعف المقدرة الإدارية وتواضع الإمكانات العلمية وتشتت المسؤولية وضعف الذمة المالية. والأهم من كل هذا غياب الستراتيجية الواضحة لقطاع التربية والتعليم من قبل النظام السياسي الجديد الذي باتت تتقاذفه الأهواء, وتتحكم فيه المصالح الفئوية الضيقية وتنخره المحسوبية والمنسوبية والفسادالمالي والإداري . فلا عجب ما آلت إليه أوضاع الجامعات من سوء برامج دراسية وتردي جودة وضعف تأهيل خريجيها كما أشرت ذلك الكثير من التقارير الدولية, ومنها تقارير تصنيف الجامعات الدولية حيث لم تصنف الجامعات العراقية البالغ عددها الآن ( 52 ) جامعة رسمية و( 71 ) كلية وجامعة أهلية وأجنبية, ضمن جامعات العالم المرموقة في أي من هذه التصنيفات على مدى السنوات السابقة , بخلاف ما حصلت عليه الجامعات العربية ودول جوار العراق وبعضها حديثة التكوين, من نتائج جيدة.ففي تصنيف جريدة التايمز البريطانية لعام 2019 الذي يعد أحد أفضل التصنيفات لإعتماده على مؤشرات ومعايير علمية رصينة هي : 1. البيئة التعليمية بنسبة (30%) من إجمالي التقييم. 2. البحوث العلمية المنجزة من قبل أعضاء الهيئة التدريسية المنشورة بمجلات علمية محكمة بنسبة (30%) من إجمالي التقييم. 3. إستشهادات البحوث العلمية بنسبة (30%) من إجمالي التقييم. 4. النظرة العالمية للجامعة بنسبة (7,5%) من إجمالي التقييم. 5. نقل المعرفة إلى المجتمع بنسبة (2,5%) من إجمالي التقييم. غابت جميع الجامعات العراقية الرسمية والخاصة والأهلية من سلم التصنيفات بإستثناء دخول جامعة بغداد هذا التصنيف لأول مرة في الموقع ( 801– 1000 ) أي في الثلث الأخير من القائمة البالغ عدد جامعاتها نحو (1250) جامعة من مختلف دول العالم, مما كان مدعاة زهو زائف لوزارة التعليم العالي العراقية وجامعة بغداد وضحك على الذقون عندما راح كبار مسؤوليها يتبادلون التهاني بهذه النتيجة, بينما كان يفترض أن يكون مدعاة حزن وألم لهذه النتيجة البائسة ووقفة مراجعة لما آلت إليه أوضاع الجامعات العراقية من تردي وتدهور , حيث يفترض تصدر معظم الجامعات العراقية قائمة أفضل الجامعات العربية , ذلك أن الجامعات العراقية أكثر منها عراقة وأعمق جذورا ومشهود لها بالرصانة والجودة والتمييز مقارنة مع جميع الجامعات العربية وبلدان الشرق الأوسط .بينما جاءت جامعة الملك عبد العزيز السعودية في المرتبة ( 201 – 250 ) , تلتها جامعة الفيصل السعودية وجامعة خليفة الإماراتية في المرتبة ( 301 – 350 ) ,وجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية وجامعة الإمارات في المرتبة ( 351 – 400 ) , وجامعة قطر والجامعة الأمريكية في بيروت في المرتبة( 401 – 500 ).وعلى صعيد جامعات دول الشرق الأوسط فقد حصدت الجامعات الإيرانية(26) موقعا,والجامعات التركية (23) موقعا, ومصر (19) موقعا ,وإسرائيل (6) مواقع ,وكل من المملكة العربية السعودية والجزائر (5) مواقع, وكل من تونس والمغرب والإمارات العربية المتحدة والأردن (3) مواقع , ولبنان (2) موقعين , وموقع واحد لكل من قطر والكويت وسلطنة عمان والعراق. ولم تحصل جامعات السودان واليمن وليبيا وموريتانيا وسورية على أي موقع . ويبقى الأمل معقودا أن تستعيد جامعات العراق ألقها العلمي ومكانتها الأكاديمية اللائقة المقترنة بجودة برامجها ومناهجها الدراسية وإنجازاتها البحثية وترابطها الشديد مع حقل العمل وخدمة المجتمع, وأن تواكب التغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا المعاصر الذي باتت فيه إقتصادات الدول تعتمد أكثر فأكثر على معطيات العلوم الحديثة والتقنيات المتطورة المستندة إلى الإبداع والإبتكار والمعرفة, لتلبية حاجات العراق من الكوادر العلمية والتقنية القادرة على الأسهام بنهضته وتحسين مستوى حياة شعبه , والحفاظ على هويته الوطنية وصيانة أمنه وإستقراره ذلك أن من يملك المعرفة , إنما يملك في حقيقة الأمر أهم عناصر القوة في كل عصر وزمان, فحري بجامعات العراق أن تغذ السير وتحث الخطى لمواكبة هذه المتغيرات بحيث تكون مصادر مشعة لإنماء المعرفة وإثرائها ونشرها, وليست ناقلة لمعرفة مستنسخة من معرفة منتجة في أماكن أخرى, وبذلك تكون الجامعات العراقية مستودعات معرفة أصيلة ومصادر إبداعات وإبتكارات حقيقية يمكن أن تسهم بفاعلية في دعم الإقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة, لتأخذ هذه الجامعات مكانتها اللائقة في سلم التصنيف الدولي للجامعات بكل جدارة لتعكس الوجه العلمي والحضاري المشرق لبلادنا.

عن Resan