اخر الاخبار
قصة قصيرة  الخاتم (الفائزة بالجائزة التقديرية الأولى في مسابقة تراتيل سجادية)

قصة قصيرة الخاتم (الفائزة بالجائزة التقديرية الأولى في مسابقة تراتيل سجادية)

قصة قصيرة

الخاتم (الفائزة بالجائزة التقديرية الأولى في مسابقة تراتيل سجادية)
زينب فخري

يتلفَّت ملتحفاً بذعره، تتوسل دموعه المنهمرة بعدم نزعه، يروم أن يتشبّث بمكانه، كان سعيداً للغاية وهو في كنفه، يحيط بإصبعه، يستشعر نبضات حرارة عرقه المفعم بالنور، أسبغه وضوءاً وسجوداً، لم يعرف للسكون والهدوء معنى معه، فإمّا قائماً أو ساجداً أو مدافعاً أو مصلحاً. عاش في ظلِّه سنوات مشعّة بالإشراق اقتبسها من حياته الشريفة التي تفيض سناءً وبهاءً، ربّما ما نُقِش “لكلِّ غمّ حسبي الله” كان سبباً لخلود هذا الخاتم.

لم يبقَ له إلَّا الذكريات يلوذ بها هرباً من أيَّام ستصبح بركة راكدة، يتمتم قائلاً بحسرة:
– كان يرفعني كبرياءً عندما يتحدث إلى أعدائه، ويزيدني منزلة عندما يضعني مجاوراً لقلمه، أيَّامه العظيمة كأصله حفظتها عن ظهرٍ قلبٍ، وأعظم ما كان يخيفني أن أنتزع في صولة ظلم من إصبعه وأبتعد عن فيض نوره، كم كنت فخوراً وأنا بيده المعطاء وريثة النور النبويّ!

يرسل نظراته إلى سنوات بعيدة، ويتيه في دوامة ذكرياتها المتلاطمة على نقشه:
– عشتُ معه أيّاماً صبغت بالأحمر، استفردتها المآسي والبلايا، وتحكم بها طغاة فاسدون، لم يكن بدّ من حمل راية التحدي، كان مرافقاً لأبيه مطيعاً له في واقعةٍ، برز للأعداء وكان مريضاً لا يقوى على حمل سيفه، وعمّته تنادي خلفه، متوسلة به للرجوع، سألها أن تذره يقاتل بين يدي ابن رسول الله )صلى الله عليه وآله وسلم(، وكاد أن يفعل لولا طلب أبيه الإمام الحسين من أمّ كلثوم أن تأخذه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم). وفي اللحظات الأخيرة من حياة أبيه، قلَّده وصية في عنقه كما فعل جدّه رسول الله مع عليّ حين وفاته وبما أوصى به جدّه عليّ عمّه الحسن، وبما أوصى الحسن به الحسين: “إيَّاك وظلم مَنْ لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله”، ثمَّ ودعه ومضى إلى حيث قُدِر له أن يكون.

يسترسل الخاتم والدموع المنسابة على نقشه تزيده لمعاناً وتوهجاً، وهو يعيد تلك اللحظات الخرقاء من عمر الزمن:
– شاءت الحكمة الإلهية أن يرد كيد الأعداء عن إمامي عندما قصده لعين مع جماعة لقتله، فتصدّت له العمّة زينب ومنعته من ذلك، وبقينا في خيمة واحدة وأُمِر بحراستنا، وعلى الرغم من مرضه الشديد أقتيد إلى الكوفة، ومن هناك إلى الشام حيث دخلوا قصر صاحب الفسوق والفجور. وتلك الأيَّام المحفورة بالرزايا والمشبّعة بالجور طواها السجاد في جوابه عن سؤالٍ: “کيف أمسيت يا ابن رسول الله؟” فقال: “أمسينا کمثل بني اسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم”، وکان يومها قد تسلق ركام ثلاث وعشرين سنة.

ويرفع الخاتم رأسه بشموخ وهو يستذكر ذلك الموقف المفعم بالكبرياء مع الطاغية يزيد وطغمته المحتشدة حوله، معرياً قبح وجوههم، كاشفاً عن سموم ألسنتهم، مبيناً كَذِب حججهم، مشتتاً سُحب نصرهم، مبعثراً صفّهم، مظهراً عتمة سلطانهم، فيقول:
– لقد مرَغ صاحبي أنوف بني أمية في الوحل وأسقط أوراق التوت عن عورة کبرياءهم، ببيانٍ ألقاه في مجلس يزيد في مدينة دمشق، منوَّها للذين عموا وصمّوا عن فضائله وآبائه، أنَّ الله حباهم ستاً وفضّلهم بسبعٍ، أعطاهم العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبَّة في قلوب المؤمنين. وفضّلهم بأنَّ منهم النبيّ المختار والصدّيق والطيَّار وأسد الله وأسد رسوله وسيّدة نساء العالمين فاطمة البتول وسبطا هذه الأمَّة.
وشرع مزيحاً الستار عن شخصه البهيّ، معرِّفاً عن حسبه ونسبه وأصله الكريم، فجدّه المصطفى، ابن مکّة ومنی، ابن زمزم والصفا، ابن مَنْ حمل الرکن بأطراف الرداء، ابن خير مَنْ ائتزر وارتدی وخير مَنْ طاف وسعی وحجّ ولَبّی، ابن مَنْ حُمِل علی البراق وبلغ به جبريل سدرة المنتهی، فکان قاب قوسين أو أدنی، ابن مَنْ صلی بملائکة السماء، ابن مَنْ أوحی إليه الجليل ما أوحی، ابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، وابن خديجة الکبری، ابن المرمل بالدماء، ابن ذبيح کربلاء.
وحين بلغ هذا الموضع من خطابه استولی الذعر علی الحاضرين وضجَّ أغلبهم بالبکاء، مما اضطر يزيد أن يأمر المؤذن للصلاة ليقطع علی الإمام خطبته، غير أنَّ الإمام سکت حتَّی قال المؤذن (اشهد أنَّ محمدا رسول لله) والتفت إلی يزيد قائلاً: “هذا الرسول العزيز الکريم جدّك أم جدَّي؟ فإن قلت جدَّك، علم الحاضرون والناس کلّهم أنَّك کاذب، وإن قلت جدّي، فلِمَ قتلت أبي ظلماً وعدواناً وانتهبت ماله وسبيت نساءه؟ فويل لك يوم القيامة إذا کان جدَّي خصمك”.
ويطلق الخاتم حسرة ممزوجة بحشرجة، وهو يمشي بخطوات أثقلها الهمّ والحزن على فراق صاحبه، باتجاه مكتبة زاخرة بألوان العلوم، فيقول:
– ترك صاحبي إرثاً يقود نحو العُلى، فيضاً جليلاً من قدسية وجدانه، يمتليء به القلب طمأنينة وإيماناً ويثير في الأسماع بهجة ورضا ويحرك في النفوس عواطفاً وأحاسيساً: إيقونة للحقوق، المنسقة لما بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، زاخرة بنظم بين أفراد وأزواج بعضهم ببعض، وبين حكومات وشعوب؛ فهي مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم متطلّعة الى الأعلى وهي مستقرة على الأرض، راسخة على بنيان بعيد عن هبوب ريح الهوى وميلانه، مطلقة أسر الروح من عقال الوهم والخرافة إلى عنان العمل والانجاز.
ثمَّ يتصفح الخاتم تلك الحقوق التي بدأت بحقوق الله المحيطة بالإنسان في كلِّ حركة يتحركها أو سكنة سكنها، أو حال حلَّها أو منزلة نزلها أو جارحة قلبها أو آلة تصرف فيها، ثمَّ ما أوجب الله عزّ وجلّ على الإنسان لنفسه من الرأس إلى القدم، فجعل للسان حقّاً، وللسمع حقّاً، وللبصر حقّاً، ولليد حقّاً، وللرجل حقّاً، وللبطن حقّاً، وللفرج حقّاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثمَّ جعل ربّ العزّة للأفعال حقوقاً: فجعل للصلاة حقّاً، وللصوم حقّاً، وللصدقة حقّاً، وللهدي حقاً، ولأفعال الإنسان حقوقاً. ثمَّ تخرج الحقوق من الإنسان إلى غيره من ذوي الحقوق عليه.

يبعث الخاتم نظره متفحّصاً هذه الزاوية المحتضنة مجلّدات تعبق بمداد من أنواع شتى، يتلقّف بخشوع كتاب تتناوله الأيادي كثيراً، يتأمّل ما خطَّ عليه ويهمس “إنجيل أهل البيت وزبور آل محمد عليهم السلام”، يتمعن بلآلِئُّ سطوره التي تنثر أريج يبعث للسمو، كتبت بمدادٍ من نور يصيب الروح والقلب، استلهمت من فيوضات إلهية وكرامات معصومين، هدية لأمَّة تلوذ بظلال الدعاء في أوقات شدَّتها ورخائها، وأناء ليلها وأطراف نهارها، فتصفو نفسها وتبتهج روحها ويشف وجدانها وترتفع متسامية بإنسانيتها.

يصمت الخاتم لحظات، كأنه غرق في بحر من أصواتٍ منبعثة من مدرسة كانت تعجّ بطلابٍ كُثر، حاملين كتباً وقراطيس، منهمكين بتدوين كلّ ما يتفوَّه به من حكمة، يتلقّفون منه آداب دينهم التي بثّها في مناجاته المكتوبة بأسلوب وهَّاج يلامس الروح والعقل. ويستذكر تلك الجلسات التي كان يردّ فيها بعزمٍ وحزمٍ على مقولات انحرفت عن سواء السبيل وضلّت، روَّجها الظلاميون كحجج لتبرير أفعالهم وتمكّنهم من الرقاب، وألبوسها لباس الزينة ليتّخذها الناس سراجاً لهم.

وتطرق الابتسامة باب ثغر الخاتم، وهو يرى ثانية حركة الإمام الدؤوبة هنا وهناك بعد الواقعة، وكأنه يستمع إلى شرحه غايات المسير إلى كربلاء، ويزيل عنها دوامات الغموض وما اكتنفها من سحب الضباب المبثوثة من الأعداء، مصحّحاً لكلِّ ذي لبّ ما أشيع من أخبار وأبواق تعزف النشاز، ليفعل بهم كأكثر من فعل قعقعة السيوف وطعن الرماح.
كان صاحبي يستنشق الصبر والتجلُّد استنشاقاً، وهو يرى أمّته تغوص في مستنقع الفتن والرذيلة والضلالة، فشمر عن ساعديه لينتشلها من واقعها بانتفاضة ويصحّح مسارها بحكمة وتعقّل؛ فواصل الليل بالنهار ليصل جهاده إلى مبتغاه، مهتماً مشغولاً بمنهج النور الذي سيضعه بعد آبائه غير مبالٍ بالعيون التي ترصد سكناته وحركاته.

ثمَّ يبكي الخاتم بمرارة ويقول:
– والآن سأُنزع مضطراً من أصبع أبي محمد السجاد، رابع ائمة أهل البيت (سلام الله عليهم)، المولود في المدينة في الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، بعد فسحة من تكليف بلغت أربع وثلاثين سنة.

ويتعالى صوت نحيبه الممزوج بالشجن المرير، ويضيف:
– أكان يجدر بي أن أشهد يوم الخامس والعشرين من محرَّم، ليكتب علي مفارقة إصبعه، ليت السمّ أصابني من ذاك السلطان العنيد الغشوم ولم يصبه، ليواروني معه تحت الثرى في البقيع ولا يفصلونني عن جثمانه الطاهر، فأسمو مع روحه العظيمة التي سمت إلى خالقها بعد أن أضاءت بوهجها آفاق هذه الدنيا.

عن Resan