اخر الاخبار
ذاكرة الامكنة  (السيبة)

ذاكرة الامكنة  (السيبة)

 

ذاكرة الامكنة  (السيبة)
**رجاء عبدالرزاق حمزة
كنت في العام 76 مدرسا في ثانوية ام قصر المسائية وفي احد ألايام كنت راجعا للبيت في السيارة صادفني ثلاث فتيات لسن من السيبة وخلال الطريق علمت بأنهن مدرسات معينات في السيبة ، فسألت اسم المدرسة المنسبات لها فقالت واحد منهن بأن المدرسة اسمها الفتح الجديد ، استغربت من هذا الاسم وقلت بأن السيبة ليس فيها مدرسة بهذا الاسم ، قالت بلا و هذا كتابنا ، لما قرأت الكتاب عرفت بأن المدرسة فتح جديد واسمها ثانوية السيبة للبنات ، فضحكت واخبرتهن بالموضوع وقلن اين نذهب الآن قلت انا ساوصللكم الى مدير ثانوية السيبة وهو يتصرف وكان وقتها الاستاذ هاشم ابراهيم الموسوي وفي بناية الثانوية الجديدة .
نزلت معهن الى الثانوية واخبرت الاستاذ هاشم بذلك ثم ودعت الجميع وخرجت .
كانت هذه المجموعة هي نواة لثانوية البنات الوحيدة في السيبة . واحدة منهن وهي الست رجاء اصبحت اول مديرة للثانوية ، وبعد مرور ثلاث سنوات وعندما داومن في بناية ثانوية السيبة القديمة .بوساطة وجهود الاخ الراحل حسن مجيد الذي خطب احدى المدرسات خطبت انا المديرة الست رجاء .
رغم بقاء الست رجاء في ادارة المدرسة لاكثر من ثلاث سنوات الا اني لمست فيها عشقها للسيبة واهل السيبة فكانت تتمنى ان تبقى في الناحية لطيبة اهلها وكرمهم واحترامهم للمدرسات بشكل خاص ، وكنَّ في العصاري يتمشين في الشهلة على شط العرب و يرجعن الى دارهن َ محملات بخيرات ارض السيبة .. قبل زواجنا بأشهر اندلعت الحرب و كانت ثانوية السيبة للبنات في مرمى السلاح المتوسط ، وعندما انتقلنا الى مركز السيبة بقيت علاقة الطالبات بالست رجاء لان القيود المدرسية كانت معها وكانت تنظم الوثائق في البيت .
بعد سنتين من الحرب سلمت القيود للتربية وبقيت وفية للسيبة وتوفيت الست رجاء في العام 2008 و في نفسها شيءٌ من السيبة .
ما يؤكد تعلقها بالسيبة انها كتبت خاطرة عن السيبة في جريدة 14 تموز التي تصدر عن التجمع القاسمي بعنوان “يسألونني عن السيبة ” وهذا نصها
ألقٌ يتسربُ من خلال ستارٍ شفافٍ يغلقُ الافقَ فتعكسُ الاشعةُ الفضيةُ التي سراعاً ما تنضوي تحت اللون الاصفرالذهبي كأنها أسلاك دقيقة الصنع توازي خطوط الطول والعرض من الأعلى الى الاسفل فتتصل نهاياتها الى سيقان النباتات الهشة الخضراء التي تتوسد ضفاف شط العرب وتنتشر حتى نهايات الارض الخصبة المروية بالماء المعين . فقسم كبير من الأشعة تظل عالقة تتوج رؤوس النخيل الشامخة والتي تقف بصمود واضح ، فقسمٌ منه يتاخم الشواطىء حيث ترقص أمواجها دائما عند اقدامه الغليظة القوية وتداعب عن بعد ” كربتها “القريبة من الحافة ، وقسم آخر يزحف مبتعدا عن الارض القصية المترامية الأطراف حتى يصل ارض “السبخ” يتشابك السعف فيشكل قبعةً خضراء كأنها ثرية عملاقة تحمي ما تحتها من الكائنات وتمد جذورها عميقا نحو الماء .. ترتوي.. ترتفع تم تعلو وتزهر بثمرها الذي يزيدها جمالاً ، انه التمر طعام الفقراء وسلة رزق كل الناس و الطعام الوحيد لمريَم والدة المسيح عندما فاجأها المخاض.
إنها ارض الحب الأزلي المصحوب بالرياحين والأزاهير وأناشيد الطيور المتناغمة والمتآلفة فوق اعشابها تسرح بين المساحات الشاسعة التي تكوّنُ السيبة ، ترى خلال بساتينها البيوت الطينية التي شيدت بجهود اهلها وهي كبيرة فارهة الاحواش تسع الأجداد والآباء و الأحفاد وتصطف متلاصقة حينا ومتباعدة احيانا ، البيوت صحيح طينية بسيطة الا انها ممتلئة بالحب والصدق والوفاء والكرم وتحيط بالبيوت شجر السدر و الرمان والعنب وتتوسطه نخلتان او ثلاث تحنُّ على النازلين في هذه في البيوت التي بين طياتها الطباع الطيبة لاهل الجنوب.
حينما تطأ قدماك ارضها وانت الغريب عنها تحس كأنما هناك وشيجة تربطك بهذه الأرض وتحس بعاطفة هوجاءَ تلف كيانك فتدخل مشاعرك دون أذنٍ منك لتعبَّر عن حبها الجارف للطبيعة الجذلى التي حباها الله بكل شيء جميل .
في يوم وليلة كأداء تلتها ثمان سنوات عجاف قاسيات كأنهن الجبال حيث انفجر البركان وارتجفت الأرض تحت حممها الساخطة
قصفت المدافع و وزَّت الطائرات فدُمر العراق فكانت السيبة والفاو كبشي الفداء فُجزّت رؤوس النخيل الباسقة فماتت وهي واقفة ترفع نحو السماء أساها وسقمها، فبكى الشط و النهر غادرت الطيور الأعشاش و هدمت تلكم البيوت الجميلة وسقطت هاماتها تحت اقدام النخيل الحزينة نٌهب كلُّ شيء او احترق بعد ان هجرتها الحياة تماما… إيهٍ يا سيبةَ الأمل اين انت اينَّ جمَالك الفتان اين ناسُك الطيبون ، اين ثيابك الخضر وماؤك الرقراق الذي يترنم فوق اديم وجهك الباسم… الآن وبعد سنين طويلة من انتهاء الحرب ظلت السيبة تشكوعريها وفناءها ماءها العذب . لم يبقَ الا بعض نخيلها و قليل من اهلها الهاربين من بؤس وغلاء المدينة . ”

عن Resan