اخر الاخبار
الكتابة في أكثر من حقل إبداعي

الكتابة في أكثر من حقل إبداعي


**منذر عبد الحر

التخصص الإبداعي في مجال كتابة معيّن أمر ضروريّ ومهم , لأنه يكرّس تجربة المبدع في مضمار محدد يستطيع من خلاله العطاء بأفضل مستوياته , ولعل العديد من المبدعين اكتفوا باللون الابداعي الذي تميّزوا به وعرفوا بالاشتغال في عالمه .
هذه الرؤية الثابتة لا خلاف عليها ولا جدال فيها , ولكن ماذا لو كتب المبدع في أكثر من مجال إبداعيّ , ترى هل تشتت جهوده , وهل يفقد مزية تخصصه الإبداعي , أم يستطيع الحصول على أكثر من صفة إبداعيّة تحقق له وفرة من العطاء المتنوّع ؟
من المؤكد أن المواهب والقدرات تختلف من شخص إلى آخر , وبذلك فإن ترويض الأدوات الفنيّة للمبدع وفق موهبته وقدراته , تعدّ سمة طيبة وميزة حسنة تميّزه عن غيره من المبدعين , لذلك فإن الكتابة في أكثر من مجال إبداعيّ واحد تتطلب شروطا في غاية الدقة , سألخّص بعضها , بوصفي معنيا بالأمر , فأنا أكتب في كل حقول الكتابة الإبداعيّة تقريبا , وطالما وجّه لي سؤال أعده مبررا ومشروعا : كيف تستطيع الكتابة في أكثر من مجال إبداعيّ ؟
لذلك سأورد ملخصا للشروط التي أشرتُ إليها في السطر السابقة وهي :
أولا : يجب أن تكون الكتابة في أيّ مجال بلا تكلّف أو تصنّع , وتبدأ كجدحة تعطي للكاتب سمة الدخول إلى فضائها والمضي معه حتى يتمّ استقراره على شكل فنيّ محدد , لتبدأ بعد ذلك عملية التنظيم الحرفي لمسار النص وهويته الإبداعيّة , وعلى سبيل المثال حول ذلك إنني لم أجلس يوما على منضدة الكتابة لأقول سأنجز الآن قصيدة نثر أو مسرحية أو قصيدة عموديّة وغير ذلك , وحتى الرواية تبدأ بهذه الجدحة , إذا صحت التسمية , التي تحدد عالم وهوية الاشتغال على النص , وغالبا ما تأتي الجملة الأولى دالة على هويّة العمل الذي أنوي الإبحار فيه , وبالتالي البناء على موضوعته , فإذا كان يضيء فكرة معينة , فعليّ أن أبتعد فيها عن الشعر لأطلق فكرتي أما سرديا , إذا رأيتُ فيها مدى يستحق ذلك , وأما دراميا حين أرى فيها وجوب تصعيد حدث ما من أجل إعطاء الفكرة حقها .
ثانيا : على المبدع الذي يكتب في أكثر من مجال إبداعي , أن يلم بالشروط والأدوات الفنية لكل لون كتابيّ , فلا يمكن كتابة القصيدة بأدوات المسرح , ولا يمكن كتابة الرواية بأدوات الشعر , وهكذا على المشتغل في الحقول الإبداعيّة أن يتعامل فنيا مع كل لون كتابيّ , من خلال المفردة والجملة , المتناسقة مع متطلبات شكل النص , مثلا على الكاتب حين يكتب مسرحيّة أن يعي مفردات لغاتها الأخرى , نعم لغاتها , فللمسرح لغة ضوء وصوت وحركة وتعابير معاصرة مختلفة , قد تكون لغة الحوار جزءا بسيطا منها , وهكذا مع الألوان الأخرى , وهذا الأمر يتطلب خبرة ومهارة وقدرة على الأداء المتجانس في كل حقل إبداعي .
ثالثا : في الكتابة الشعريّة تحديدا , على الشاعر أن يدرك فضاء قصيدته , وأن يستطيع الانصات لصوت خاص يأتي من الداخل , وأن لا يقحم عليه ما يجعله تحت وطأة الاستطراد أو الانسياب الذي قد تستدعيه ضرورة الفنون الكتابيّة الأخرى .
رابعا : الكتابة الصحفيّة فقط , تأتي رد فعل على حدث أو ظاهرة , أو تأتي وفق رؤية يحددها الكاتب أو الصحفي , لتكون وفق الحالة المرصودة كأن تكون مقالا صحفيا , يحتوي على وصف وتحليل واستنتاجات , أو عمود معيّن ” ثقافي , سياسي ,اقتصادي , رياضي , ساخر ” وهكذا أو أن تكون استطلاعا أو تقريرا صحفيا , ولكل كتابة من هذا النوع من الكتابة الصحفية آليات ومفردات ونمط خاص من اللغة الصحفيّة التي يجب أن توصل الفكرة بدقة ووضوح وتشويق أيضا .
إن الكتابة في أكثر من حقل إبداعيّ , إن تمكّن منها صاحبها , هي تشذيب مهم للتجربة , وإبداع متوقد , ينطوي على خبرة ومهارة وموهبة , وإذا لم يكن كذلك , فهو تشظ وتشتت , وضياع , وفقدان الهوية والسمة الإبداعيّة التي تميز مبدعا عن غيره .

عن Resan