اخر الاخبار
اللغة العربية والفصاحة الإعلامية

اللغة العربية والفصاحة الإعلامية


د. محمد فلحي

فرضت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي شرطاً جديداً على المتقدمين إلى الدراسات العليا في الجامعات العراقية،ابتداءً من العام المقبل، وهو إجادة اللغة العربية من خلال اجتياز دورات وامتحانات لغرض التأكد من سلامة لغة الباحثين وقدرتهم على التعبير عن أفكارهم بطريقة فصيحة، وقد كنت أتمنى على المؤسسات الإعلامية أن تفرض مثل هذا الاختبار على الاعلاميين الشباب قبل توظيفهم، فلم يعد من المستغرب أن تسمع مذيعاً أو مذيعة في إحدى القنوات الفضائية يتحدث بلغة ركيكة ولا يخجل من كثرة الأخطاء النحوية، وهو يخاطب الملايين من الناس، وقد يتذرع بعضهم بأن اللغة المحكية لها قواعد مختلفة عن اللغة المكتوبة،وهي ظاهرة ليست جديدة، فلغة القرآن الكريم، في حقيقتها ليست سوى لهجة قريش ومنطقة الحجاز، وبالأخص مكة والمدينة، في حين كانت الجزيرة العربية تضم عشرات اللهجات الأخرى في عصر الرسالة الإسلامية، وما زالت العربية تعاني من ذلك الافتراق بين اللسان المكتوب واللسان المنطوق،وإذا كانت اللهجات العامية أكثر استخداماً في الحياة اليومية، وهي الأقرب إلى نبض المجتمع وحركة الشارع، وربما الأكثر قدرة على التعبير عن وجدان الناس وهمومهم ومشاعرهم، فإن اللغة الفصحى تمثل لغة الخطاب الرسمي والإعلامي السائد في الوطن العربي، فمن النادر أن تجد مسؤولاً سياسياً أو أستاذاً أو واعظاً دينياً يتحدث بالعامية، وقد يبدو من العيب أن لا يجيد المثقفون قواعد اللغة العربية، ويخطئون في النحو والإملاء، وقد اتفق كبار المبدعين الاذاعيين على أن إجادة الفصحى شرط أساسي لكي تكون مذيعاً مرموقاً،وأكدوا أن من الأفضل أن يعمل المذيع الشاب في الإذاعة المسموعة، سنوات عدة، لكي يسيطر على اللغة، قبل أن ينتقل، عند نضج لغته، إلى التلفزيون.
ولعل من أغرب الآراء التي اطلعت عليها في هذا الصدد، هو رأي العلامة الدكتور المرحوم علي الوردي، الذي كان يرد على من يتهمونه بعدم الالتزام بقواعد اللغة العربية،في سلسلة كتبه المعروفة عن طبيعة المجتمع العراقي، حيث يقول في مقدمة كتابه( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث-الجزء الرابع):”لا أكتم القاريء أني اعتبر النحو العربي بلاءاً ابتليت به الأمة العربية، وأنا على يقين أن الأمة العربية في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل سوف يأتي عليها يوم تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء النحو كله من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل، فنحن حين نتصور ضخامة عدد الكتب والمعلمين وساعات الدروس التي تخصص لتعليم قواعد النحو،في المدارس، ثم نتصور النتيجة من كل ذلك، حيث يتخرج التلاميذ وهم قد نسوا معظم تلك القواعد أو أهملوها، ندرك مبلغ التبذير الذي تعانيه الأمة العربية في جهودها الفكرية، جيلاً بعد جيل”!

وإذا كان المرحوم الوردي يريد التخفيف من صرامة النحو العربي الذي يصفه ب(البلاء)، فإن دول عربية أخرى قد شهدت، في الفترة نفسها، دعوات ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، فقد طالب بعض الأدباء والكتاب صراحة باعتماد اللهجة العامية في الكتابة الشعرية والقصصية، لعل من أبرزهم لويس عوض في مصر، وسعيد عقل في لبنان، في حين فرضت مفردات اللغة الفرنسية وجودها في الخطاب الإعلامي والثقافي،في أغلب دول شمال إفريقيا، وليس في ذلك مشكلة مثلما يتصور حماة الفصحى في المجمعات اللغوية الرسمية، الذين عجزوا عن ترجمة كلمات مثل (السندويتش) و(السينما) و(التلفزيون) و(الانترنيت) وغيرها من الكلمات التي أصبحت تجري بصورة طبيعية، على كل لسان عربي، فاللغة مثل الكائن الحي تنمو وتتطور، وتأخذ وتعطي، في خضم التفاعل الإنساني والتعامل اليومي.
إن التساهل في شرط إجادة اللغة الفصحى، الذي نشهده اليوم، لدى مذيعي أغلب الفضائيات الجديدة،يمثل جزءاً من ظاهرة إعلامية، يهيمن فيها الإعلام الالكتروني على الإعلام المطبوع، وتسيطر فيها لغة الصوت والصورة على لغة الكتابة والحرف، في ظل فضاء مفتوح، وتفاعل مباشر بين المرسل والمتلقي،ولعل ظاهرة المدونات الشخصية والنشر في المواقع الالكترونية على شبكة الإنترنيت، بدون رقابة، تعبّر عن التطور الذي يشهده الواقع الإعلامي،حيث لم تعد قواعد اللغة المكتوبة تمثل حواجز صارمة أمام من يريد التعبير عن فكرة أو رأي أو قضية.
كان المرحوم العلامة مصطفى جواد يخاطب المستمعين عبر إذاعة بغداد في برنامجه الإذاعي اللغوي الشهير(قل ولا تقل)، خلال الستينيات من القرن الماضي،فيتابعه أغلب المثقفين والمتعلمين، ويتأثرون بأسلوبه البليغ، في حين كانت تتوقف الحركة في شوارع بغداد، ويسارع الناس لفتح(الراديو) عندما يتحدث(أبو كعود) أو(أبو سباهي) في برنامجين شعبيين يتناغمان مع هموم الناس ومعاناتهم، وبخاصة عندما كانا ينتقدان بطريقة(الحسجة العراقية) بعض المسؤولين الكبار في الدولة حينذاك!
خلاصة القول ان الخطاب الاذاعي والتلفزيوني يسمح باستخدام اللهجة العامية في البرامج التمثيلية والشعبية لكن لغة الأخبار والبرامج الجادة تظل هي الفصحى لأنها الأكثر قبولاً وتأثيراً،كما نتوقع،وربما نحتاج إلى دراسات إعلامية أكاديمية لإثبات هذه الفرضية.

عن Resan