اخر الاخبار
العيادة المسرحية تجربة علاجية فريدة

العيادة المسرحية تجربة علاجية فريدة


  **د. جبار خماط**
العيادة المسرحية مقترح علاجي لهموم الناس والوطن ، اثبت نجاحه بالتجربة ، وبرهن على ارادة الانسان وقدرتها على صنع مستقبل جديد ، يغادر الماضي ، ويؤسس من حاضر التجربة العلاجية ، مستقبلا قابلا للتداول بين الناس
يمثل المجتمع العراقي بطبقاته ومكوناتةn; طاقة العيادة المحركة التي تبني بالابتكار والقدرة على صناعة مستقبل جديد ، تصنعه العيادة المسرحية . إذ نتعرف ان معوقات الحياة الاجتماعيةs ثلاث ، فكرية وسلوكية وتواصلية ،العيادة المسرحية مقترح علاجي لها ، قابل للتطبيق ، يهدف إلى إنتاج عروض مسرحية لها; القدرة على التداول والتفاعل; مع الجمهور باختلاف المكان والزمان ، ولهذا نجد فكرة العيادة المسرحية ، تقوم على معادلة الذهاب الى الجمهور في الاماكن التي تعاني ازمات ، يراد حلها ، بطرق تتكفل بعلاجها والتخفيف منها قدر المستطاع ، مثل السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيمياوي ، وغيرها من الحال; التي ستذهب اليها العيادة ، وإذ نُسال ، من هم الممثلون ؟ وكيف يمثلون ؟ واين يمثلون ؟ الجواب ، هم اولئك المنسيين والذين يعيشون على هامش الحياة ، يعانون قسوة الظروف التي حولتهم الى بشر – بنظر الاخرين – لا يمكن الاتصال بهم ، بل واجب عزلهم مثل السجناء والمدمنين !! العيادة تتجاوز هذه النظرة النمطية ، وتعيد الثقة بهم ، وتتواصل معهم ، وتحولهم الى مبدعين ! كل هذا يحققه فن التمثيل ، الذي يتطلب مهارات وقدرات صوتية وجسدية ، فضلا عن الخيال والتركيز والاسترخاء ، واكتشفت العيادة المسرحية ، في تجربة السجناء والمدمنين ، ان المشاركين يؤمنون بالتمثيل ويتفاعلون معه ، لانهم يكتشفون انفسهم من جديد ، وهذا يتطلب منهم الارادة على صنع خبرة مستقبلية ، يقومون بتاليفها ، وهذا يعني ، تحفيز قدرة الابتكار لديهم ، بمعنى يصنعون بخيالهم وتصوراتهم عجينة المستقبل المسرحية ، يؤلفون نصاً من واقع حياة الناس وليس حياتهم ، يقدمون خبرة جديدة للناس من خلال عرض مسرحي ، يقومون يتمثيل شخصياته المسرحية ، وهنا يتحول المشارك في العيادة المسرحية ؛ الى قائد رأي مسرحي ، وقد يسال احدهم ، ماهو النص الذي يمثله المشارك في العيادة المسرحية ؛ هل يكون جاهزا ، أم مكتوبا سابقا ؟ قطعا لا ، النص يكتب بطريقة جماعية ، السجناء كتبوا نصا ، والمدمنين ايضا ؛ كذلك مصابي السلاح الكيمياوي ، كتبوا نصأ مسرحيا ، تفاعل معه الجمهور ، حين مثلوا في مسرحية ” أنا موجود ” في قاعة مديرية صحة حلبجة ، لانهم لأول مرة يروا اخوانهم واصدقائهم من المصابين ، يمثلون بمهارة ، ويقترحون حلولا لبعض المشكلات التي يعانون منها .
تسعى العيادة الى ايجاد الممثل الحميمي في مختبرها العلاجي ، يمتلك التعبير اليسير ،الذي يتفاعل معه الجمهور ، الممثل في العيادة المسرحية هو الموجود في كل مكان ، يأخذ بصدق جرعة التدريب ، وينتمي الى مستقبل ، يصنعه علاجيا ، يبدا من الذات وينتهي بالاخر ، يؤدي بتلقائية وانتماء للحياة في تيارها المتنوع ، نجدها لدى المشارك في العيادة المسرحية ، لينتج عرضاً مسرحياً ، لا تعقيد فيه ولا مبالغة مفتعلة ، بل مزج عضوي بين صدق الاداء ، وتواصل الجمهور معه .
فرضيات العيادة المسرحية
( لا تتكلم من دون معرفة ، ولا تكون لديك معرفة من دون فهم .
، التعبير طاقة لدى الجمبع ، نتقنها بالايمان والمثابرة .
، الجسد ثقيل ، يكون مرنا حين تكون الطاقة الايجابية عالية .وهناك عناصر اداء وعمل العيادة
وهي ( المعالج المسرحي : وهومدرب مسرحي في العيادة المسرحية ، ويشترط فيه قدرته على التاليف والاخراج والتمثيل ، حتى يكون مقنعا ومؤثرا في تواصله مع المشاركين في العيادة المسرحية
،المستفيد : هو المشارك في العيادة المسرحية من الحالات التي تسعى العيادة المسرحية الى علاجها ، الجرعة المسرحية : هي مجموعة من التدريبات الصوتية والحركية وقدرات ابتكار النص المسرحي ، فضلا عن التمثيل المسرحي ، الممكنات الموقفية : تشمل مفردات البيئة التي تجري فيها التدريبات ، وامكانية استثمارها في العرض المسرحي الذي يكون في نفس مكان التمثيل .
ومن الاسئلة التي تتكرر دائما عند طرح العيادة المسرحية هل المسرح العلاحي ضرورة الان في وقت الازمات والحروب ؟
المسرح العلاجي له طرقه وادواته ، منذ ارسطو في مفهوم التطهير وتقنياته في التخلص من الاثار السلبية التي تمر بها الشخصية الدرامية ، كذلك قدم لنا المفكر ديدرو ، مفهومه عن التطهير العقلي الذي يسمح لنا بالمراقبة والمتابعة العقلية لما يجري من الاحداث على خشبة المسرح . ثم جاء الطبيب جاكوب مورينو في فينا ، وقدم لنا ( السايكودراما ) التي طبقها في مصح للامراض النفسية ، اذ قام بمحاولة معالجة بعض الامراض النفسية ، مثل القلق والمخاوف المرضية ، وبعض حالات الكابة ، اذا يحاول ان يمثل حالة المريض واسترجاعها امامه ، من قبل بعض الممثلين المحترفين ، ومساعدة بعض المرضى ، لكنه وجد ان استرجاع حالة المريض التي تمثل ماضي مخزون في ذاكرة المريض ، تؤدي الى تعزيز حالته المرضية
ومن العلامات المميزة للعيادة المسرحية تناولها في تحقيق صحفي موسع في صحيفة المونتور الأمريكية ،تناولت فيه فرادة وابتكار مشروع العيادة المسرحية في معالجة هموم الإنسان ومشاكل المجتمع الذي يعاني هيمنة الحروب وأثرها في هزات البنية المجتمعية والقيمية ، كل هذا وما حققته مشاريع العيادة المسرحية ؛ دفعت الهيئة العربية للمسرح للاهتمال والتواصل مع العيادة ، وتأكيد ريادة المشروع ، وأخيرا كانت الدعوة الكريمة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي ، للمشاركة في فعالياته المميزة ، ضمن مجال الورش المسرحية ، إذ قدمت ورشة العيادة المسرحية في قاعة صلاح عبد الصبور ، ضمن مسرح الطليعة ، التي تفاعل معها المشاركين بزخم عال ، إذ تفاعلوا مع أهداف العيادة وتمارينها اليومية ، إذ توزعت العيادة عبر ثلاثة أيام من عمر المهرجان ، وما يميز العيادة هو استدامة العيادة في مشاريع مستقبلية ، إذ توزع المشاركون على خمس مجموعات ، لكل منها موضوع حيوي في الحياة المصرية .
مرت العيادة المسرحية ، بثلاثة مشاريع ، الأول كان في سجن الأحداث ، تعاملت مع فرضية حل مشكلات السجناء الأحداث وكيفية معالجتها وتحويلهم من السلبي إلى الإيجابي؛ التي تعيد خارطة طريق حياتهم نحو الاندماج الاجتماعي ، التي يفقده أغلب السجناء ؛ وإذ تواصلت معهم العيادة ، تغيرت مزاجهم وافكارهم ، لأنهم دخلوا بيئة الإبداع ، واكتشفوا قدرات إدائية جديدة ، كانت مفقودة لديهم ، والغريب أن مساحة الارتجال لديهم واسعة ، واقتراحات الشخصيات التي قاموا بتمثيلها كلها إيجابية؛ لأنه يشعر ان هذه الشخصيات التي قام بتمثيلها هي بديل موضوعي ، يعوض اضطراب شخصياتهم والظروف المحيطة بها ، والتي دفعتهم للجريمة ، لقد وجدوا ذاتهم الضائعة داخل العيادة . ومثل ما حصل في سجن الأحداث ، كان مع متعاطي الكحول والمخدرات ، هؤلاء المدمنين دخلوا العيادة المسرحية ، تدربوا على مهارات مسرحية ، وتدريبات صوتية وجسمانية مكثفة ، واتخذوا طريق التحدي ، بقصد التخلص من الإدمان ، لقد مثلوا شخصيات إيجابية ، بالتكرار اليومي داخل العيادة المسرحية ، تحولت إلى مخزن الذاكرة طويلة الأمد ، وهذا يعني إيمانهم بسلوك جديد ، يعتمد بنية قيمية تتقاطع مع الإدمان الكحولي والدوائي ،الأمر الذي دفعهم إلى ترك الإدمان وسط دهشة الأطباء في مستشفى ابن رشد التدريبي للطب النفسي ، والذي كان مكان تقديم العرض المسرحي ، يوميات مواطن منسي ، تأليف وتمثيل مجموعة من المدمنين . اما التجربة الثالثة ، كانت مع مصابي السلاح الكيمياوي ، هؤلاء الذين يشعروا بالعزلة والاحباط وصعوبات في التنفس ، دخلوا العيادة ، تدربوا وابدعوا نصا مسرحيا ، مثلوه باتقان في قاعة مديرية صحة حلبجة ، ومن لا يعرف حلبجة ، هي مدينة تعرضت للقصف الكيماوي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

عن Resan