اخر الاخبار

الفهم المشترك مع الاخر احد اعمدة التنوير …

 ياسر جاسم قاسم – خاص المرسى

 

 

ان الوعي بقضايا الاخر المختلف يضفي الكثير من الرؤى لانجاح القضايا المعنية بثقافة المجتمع التي تعطي وتجمل من خلال المساعي الحقيقية لاعطاء جملة من العطاءات الثقافية التي تشكل الوعي المعرفي بالقضايا الثقافية ، ان تشكيل الوعي بالقضايا المعرفية ينطلق من الرؤى الفكرية التالية :

  • السعي الى الانفتاح على المختلف ومحاولة التفكير فيه والسعي الى قول الحقيقة والاختلاف حسب علي حرب لذلك يرى علي حرب: ان عقل الاختلاف وقوله يعنيان من جهة ان الاخر هو قدرنا وهو شطرنا فهو قدرنا، لان الانا تبنى اصلا بالعلاقة مع العالم والوعي بالذات يمر بالاخر والشعور بالهوية يبرز في مواجهة الغير وهو شطرنا لاننا لا ننفك ننقسم على انفسنا فنغاير ذواتنا ونتماهى مع الغير ضربا من المماهاة والمماهاة مع الغير تعني ان ننظر فيه الى ذواتنا.
  • التركيز على العقل كاحد الاسهامات الانسانية الكبرى فالعقل هو ماهية انسانية مهمة تؤكد على اعطاء التجليات الحقيقية والاساسية بالتالي نحن امام اشكالية فكرية تتعلق بقراءة التاريخ والحاضر وفق رؤية عقلية وانطلاقا من المشروع العقلي فقد كتبت كتابا موسوعيا اسميته ” مفهوم العقل في البصرة” حيث سلطت الفعل على الحركات المذهبية والفكري التي عاشت في هذه المدينة ابان حقب تاريخية معينة واستخرجت المفاهيم التي شارك واسس لها العقل لاعطاء المنظور الحضاري الذي نحن بحاجته .
  • الحضارة باعتبارها سمة من سمات الثقافة الحضارية تعني النزعة الانسانية المدنية التي شدد عليها الانسان لتكوين ثقافته وبناء مدينته الانسانية والحضارة تتعلق بالعناصر التالية : الاخلاق، العقل ، الثقافة، التعليم، التنوير، الفن، الاستكشااف، فالحضارة ليست مفهوما، ثابتا كما يصوره البعض وهي من مراحل التطور البشري، من الهمجية والبربرية الى تشكيل الهوية الحضاريةة وفسرت الحضارة باعتبارها مصطلحا قانونيا يشير الى مجتمع ما حيث يحل المجتمع المدني محل القانون العسكري والحقت فيما بعد بان الحضارة تشير الى مجموعة من الناس الذين كانوا مهذبين ونظيفين ومتخلقين وفضلاء في حضورهم الاجتماعي واكتسحت معنى الحضارة اوروبا واصبح مالوفا في التفكير التنويري هذا التفكير الذي اسقط الدين بشكل متزايد ليصبح العقل هو المفهوم الاساس الذي يقود الحضارة والحضارة تنجح عندما تتحد معها مجموعة عناصر ومنها:

حوار الحضارات والانفتاح على الاخر.

وقد حاول العديد من الناشطين والمفكرين ابراز الجوانب الحضارية في هذا المجال للحضارات فعلى سبيل المثال فان مبدأ حوار الحضارات قبل عدة اعوام اسس فيلسوف وناشط ماليزي اسمه شاندرا مظفر مركزا من اجله بجامعة ماليزيا وقبل ذلك بسنة رحب كل من فاروق الشرع وزير الخارجية السوري ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك بفكرة انهاء العنف، معربين عن املهما ان تبشر هذه الخطوة بحوار حضاري ومنافسة شريفة في مختلف الميادين السياسية والثقافية والعلمية والاقتصادية ويعتبر (بروس ما زليش) في كتابه (الحضارة ومضامينها) ان المحفز الرئيسي للدعوة الى الحوار هو : كتاب صاموئيل هانتيغتون صدام الحضارات (1996) وتتجلى اهميته في تناسبه العكسي مع قيمته العلمية ن لكن هذا ما يقع في الغالب عندما يتعلق الامر بفكرة يشد اليها المزاج العام ومع الحرب الباردة وبعدها في مستهل التسعينيات ، ان صدام الحضارات موجود داخل الحضارة نفسها وليس فقط بين الحضارات، وانا اقول اننا امام تفاعل حضاري بسبب ثورة الاتصالات العارمة التي جعلت من العالم يتحدث بلغة واحدة وبنمط وسياق حضاري واحد وان اختلفت الرؤى ، كما ان الحضارات في مد وجزر فبعض الحضارات في طور الصعود والاخر في طور النزول ، نحن امام عاملين اساسيين في نهوض الحضارات وسقوطها وهما على حد تعبير خاتمي (دينامية الذهن البشري وظهور الاحتياجات والضروريات الجديدة المرافقة لهذه الدينامية في الحياة البشرية ، وان كل حضارة تقوم : على نظرة عالمية محددة ومشكلة بدورها بتجربة خاصة لشعب ما وعندما يتم تجاوز هذا التركيب بوضعية حقيقية لشعب ما فلا بد له من العودة الى حضارات اخرى ، لايجاد حلول للالغاز ، ان المفهوم الحضاري يتعلق بالانسانية بشكل اساسي فعندما نقول: ان شعب ما متحضر فان كل سمة من سماته تدعو الى التحضر فياتي على ذهننا ان هذا الشعب يتمتع بحرية كبيرة وبتعدد حضاري كبير ، وانه شعب يخلو من الازمات الانسانية ولكن للاسف، نرى الانتكاسات الحضارية اليوم على قدم وساق ، وهنا نجد عبد الله الخطيب يعتبر في كتابه الحضارة والاغتراب : ” ان انسان القرن العشرين في خطر ليس فقط من جراء فقدانه لحريته الفردية وافتقاره الى قوة التركيز الذهني والى فرصته للتطور الشامل بل هو ايضا في خطر ان يفقد انسانيته” هنالك اليوم مفاهيم ممكن ان تسلخ الانسان من انسانيته خصوصا التفكك الاسري بحجة حرية الاولاد مقابل عطف الابوين الذي يضرب به عرض الحائط ، وهذا لا يعني ان يكون هذا العطف مدعاة للاستبداد الابوي على الابناء فهذا مرفوض قطعا كما ان المجتمع الصناعي والتقدم الهائل في هذا المجال يجعلنا نتوقف امام انتهاكات حقوق الانسان التي يتعرض لها العمال والمشتغلين عموما مما يضطرنا الى ان نتوقف ونقول ان هذه الثورات العلمية الكبيرة التي اسست لحضارات لم تك موجودة انها اهملت ووالمساهمة في اعلاء شأن الانسان، ان الحضارة بمفهومها العظيم هو تكوين مجتمع بشري لا يعتمد في تكوينه على قدرته في اشباع حاجات الانسان البيولوجية ، ولذلك كانت متطلبات الانسان وحاجاته متنوعة معاشية وحياتية وفكرية في اهدافها ، ولكنها تجتمع في هدف واحد وهو حياة الانسان المتكاملة والشاملة فهنالك عوامل متعددة وهامة لقيام الحضارة يقع على راسها عامل الثقافة والعامل الاقتصادي والاخلاقي والعامل الادبي والعلمي، وبالتالي فمفهوم الحرية مثلا مهم جدا لقيام الحضارة وعلى راي (اريك فروم) اذا فقد الانسان حريته الذاتية يكون سلبيا ضجرا لا يحس بمشاعر الالفة والمحبة وتكون قدرته الدماغية احادية الجانب وينمي الضجر فيه اعراض الحصر النفسي وانحطاط القوى الذاتية واللامبالاة في الحياة . ويضيف فروم:  اذا حق الفرد نفسه بالنشاط التلقائي ومن ثم تعللق بالعالم فانه يتخلص من شعور الاغتراب والعزلة ، انه والعالم يصبحان جزءا من كل له مكانته الحقة ومن ثم يختفي شكه فيما يتعلق بنفسه ومعنى الحياة” وهذه استنتاجات ومفاهيم نفسية مهمة تعطي شعورا حقيقيا عندما يفقد الانسان حريته ويصبح في ازمة حقيقية ، فمعنى الحياة يتلخص بمعنى الحرية وبدون الحرية فلا حضارة حقيقية على الرغم من ان حضارات عمرانية واشدد على كلمة عمرانية شيدت قبل الاف السنين قامت على اساس الاستعباد والقهر ، اما الحضارة اليوم فتعني المفاهيم الانسانية في العدالة والتعددية والديموقراطية التداولية والليبرالية القائمة على اساس التسامح ، وكل هذه المفاهيم وغيرها تكون لحضارة انسانية رائعة .

ولو اخذنا التداول مثلا لراينا امورا كثيرة في هذا المجال فالتداول انواع ومنه التداول بالمنطق الهابرماسي للعملية الاتصالية وهو عبارة عن منطق للفعل موجها نحو الوصول الى فهم مشترك وكما يقول هابرماس تعبيرا عن ذلك” اتحدث عن الانشطة الاتصالية عندما تكون توجهات نشاط الممثلين المشاركين غير منسقة عبر حسابات النجاح المتمحورة حول الذات لكن من خلال افعال الفهم والمشاركين غير الموجهين في المقام الاول نحو نشاطهم الشخصي في النشاط الاتصالي انهم يسعون الى اهدافهم الفرديةة تحت شرط ان يتمكنوا من تنسيق خطط نشاطهم على اساس تعريفات مشتركة للحالة ” (اندريه نافتيجر ، سايمون نيميار ، مايكل نابلو، نحو نماذج اكثر واقعية من الديموقراطية التداولية ، ص 170، مجلة الثقافة العالمية ،فبراير /2013 ، العدد 168)والخطابات الهابرماسية لها مكون اجرائي قوي يتبلور في فكرة الخطاب المثالي ومن هذه الناحية يستمد هابرماس من مفهوم كوهن عن الاجراء التداولي المثالي الذي يتكون من المبادئ التالية :

  • لا يمكن استبعاد أي شخص قادر بكفاءة على الكلام والفعل من الخطاب.
  • للجميع الفرص نفسها في مساءلة او تقديم أي تقرير مهما كان وكذا التعبير عن مواقفهم ورغباتهم واحتياجاتهم .
  • لا يمكن منع احد سواء بالاكراه الداخلي ام الخارجي من ممارسة حقوقهم .
  • للجميع الحق في مساءلة موضوعات المناقشة المحددة.
  • للجميع الحق في استهلال مناقشة انعكاسية حول قواعد اجراءات الخطاب نفسها والطريقة التي تطبق بها او تجري.
  • الخطاب لا بد ان يكون عاما.

اذن الخطاب يجب ان يكون عقلاني وان يتبنى المشاركون توجها نحو الفهم المشترك وانهم امناء او صادقون wahrhaftig ينبغي الا يستخدموا الحجج بطريقة انتهازية خالصة لكي يخدعوا الجمهور لكن فعلا يقولون ما يعنون ويعنون ما يقولون وينبغي ان يستمعوا الى المواقف المتنوعة ويعبروا عن استجاباتهم لها بطريقة محترمة ويتدربوا على التقمص العاطفي ويفكروا مليا بطريقة نظامية ويقوموا بتقييم اهتماماتهم وحاجاتهم من وجهة نظر قدرتهم على التصميم واهم شيء انهم لا بد ان يكونوا منفتحين للاقتناع بقوة الحجة الافضل من دون اكراه، ولكي نفهم كيف تكون هذه العملية عقلانية ، لابد ان يفترض المشاركون مؤقتا ان الوصول الى اجماع ممكن مبدئيا وكما يقول كوهن في تصريحه التقليدي “النتائج شرعية ديموقراطية اذا وفقط اذا كان يمكن ان تكون موضع اتفاق بين اشخاص متكافئين او وفق راي (نانغ) :هدف التداول هو الوصول الى الاجماع. والمؤشرات السبعة عن هابرماس لنوعية التداول حيث يقيس نوعيته بسبعة مؤشرات وعلى الرغم من كونها مطلقة الا ان هدف دليل جودة الخطاب هو التزود باستمرارية ضمنية للتداول تتراوح بين الانتهاك التام لاخلاقيات الخطاب عند هابرماس الى افعال الخطاب المثالية والمؤشرات هي:

 

حيث نستشف منها اهمية الاحترام الموجه للمجموعات والاحترام نحو الحجج المضادة مما يجعلنا نقف امام مسافة واحدة للمكونات المجتمعية وعلاقتها بالسياسة والديموقراطية التداولية.

 

ملحوظتان:

  • ان السعي الى الانفتاح على الاخر والتركيز على مفاهيم العقل تشكل اطروحة هامة لبناء انسان قوي قادر على ان يسهم في القضايا الانسانية الكبرى.
  • الديموقراطية التداولية والتسامح والليبرالية وغيرها من المفاهيم التي تتعلق بالسياسة والتعامل مع الاخر ، هي : قضايا منهجية مهمة ينبغي الوقوف عندها مليا لبناء وعي سياسي مجتمعي نستفيد منه في ايجاد رؤى بديلة لما نعانيه اليوم.

 11143485_10203444262982092_4492659274715942073_n

عن Resan