22
سبتمتبر
2020
قراءة في كتاب :(الصورة في شعر نزار قباني _دراسة جمالية _) ..للباحثة الدكتورة سحر هادي شبر.. بقلم /الدكتور باقر الكرباسي
نشر منذ 1 شهر - عدد المشاهدات : 85

ان قضية الجمال من القضايا التي طالما تناولها الفلاسفة والأداء في مؤلفاتهم وبحوثهم، منذ ارسطو وافلاطون حتى يومنا هذا، والسبب في ذلك يعود _حسب احد الباحثين _إلى أن الجمال: (ذلك الاحساس الذي يعبر عن معان لايمكن تلمسها الا من خلال لغة الوجدان والمشاعر، تلك اللغة القائمة على التذوق والأنفعال المسببان للذة الفنية في مختلف صورها وأشكالها)، اما العرب فقد عرفوا الجمال وخاضوا فيه فيما ذهب اليه من آراء وأقوال، الا انهم برغم ذلك لم تتبلور ولم تنضج ولم تتكون لديهم صورة واضحة عن الجمال ونظريته لا على مستوى الفكر ولا على المستوى التاريخي، وقد نشأ ذلك من أن تطور النظرية الجمالية هي الصورة التي يتمثل فيها تطور الوعي الجمالي في الأمة، لذلك فإن تاريخ هذا الوعي لم يتمثل في تاريخ الفكر العربي بوضوح ودقة، ففي العصر الجاهلي عرف العربي _حسب احد الباحثين _الجمال ولمسه لمس اليد الا انه لم يقف عند اية صفة حسنة معنوية، بل كل الصفات تعامل معها العربي هي صفات حسنة محضة، ويمكن القول انها كانت تمثل المعرفة الانطباعية البسيطة والساذجة التي يشترك فيها كل الناس، وإذا انتقلنا للعصر الإسلامي نجد ان نظرة العربي للجمال لم تبتعد كثيرا عما كانت عليه في العصر الذي سبقه برغم كون القرآن الكريم قد فتح افاقا رحبة أمامهم خصوصا فيما يتعلق بالمسائل التي تتطلب أعمالا للعقل كمسالة الكون، الا انه ظل ممسكا بالأنفعال بصوره الحسية مبتعدا كل البعد عن الاهتمام بالجمال كفكرة ومضمون.

ويرى الدكتور عز الدين اسماعيل :(ان هناك طريقين لمن يحاول ان يكشف عن النظرية الجمالية عند العرب، الأول :هو ذلك الذي يدرس النتاج الأدبي فيصور موقفه من الجمال وأنفعاله به، والثاني :هو مانجده عن المفكرين الذين تمثلت مشكلة الجمال في عقولهم لا في حواسهم، فعلى مستوى المصطلح فإن العرب تعاملوا مع الجمال على انه علم يدرس المدركات الحسية تحت مسمى فيما بعد بالاستطيقيا) الشعر العربي المعاصر ص ١٠٣.

اما الدكتور عناد غزوان فيقول في كتابه المهم (التحليل النقدي والجمالي للأدب) مانصه : (والتحليل النقدي والجمالي مظهران ايجابيان من مظاهر بناء الحكم النقدي بوصفه ادبا او تجربة أدبية لاتختلف في لغتها واحساسها وفكرها واسلوبها ومعاناتها من اية تجربة أخرى) ص٧، ويضيف الدكتور غزوان :(واللحظة المهمة في ظهور النقد _كما يقول اليوت _ "لاتبدو في الوقت الذي يعجز فيه الشعر عن أن يكون تعبيرا عن عقل جميع الناس" لذلك فإن النقد الموضوعي والتقدير الحسي _الجمالي ينبعان من الشعر الشعر، والقصيدة القصيدة ذاتها وليس من الشاعر، اي ان الأسلوب الشعري _او اللغة الشعرية _على سبيل المثال، هو الذي يقود من خلال التحليل والموازنة والتقويم إلى حكم نقدي موضوعي وحس فني _جمالي بذلك) ص٨،

ولأهمية موضوع الجمال فلسفة وتجربة وجدت في كتاب الباحثة الدكتورة سحر هادي شبر الموسوم (الصورة في شعر نزار قباني _دراسة جمالية _) دراسة مستفيضة مركزة تحمل قلم وسمات ناقدة شابة طامحة تبحث في علم الجمال ونظريته، وهو من المواضيع المهمة في النقد الأدبي الحديث، الدراسة مطبوعة في دار المناهج للنشر والتوزيع، عمان الأردن الطبعة الأولى لسنة ٢٠١١ وب (١٨٠ صفحة)، والكتابة عن شاعر مهم في ادبنا العربي هو الشاعر نزارقباني الصوت المدوي على الساحة الشعرية العربية، وبعد قراءتي للكتاب وجدته إضافة مهمة للدراسات الجمالية في ادبنا العربي، فقد قسمت الدكتورة كتابها على فصل تمهيدي وأربعة فصول تسبقها مقدمة قالت فيها :(ان الجمال والبحث عن سبب فتنته وقوانينه ومعاييره التي تنتظم بها مظاهر الطبيعة والخلق الفني هما الهالة التي لفت اشعاعاتها عقلي، واضرمت وهج التامل فيه وهما ضالتي التي حاولت أن اجوب آفاق العلم من أجل الظفر بها، منذ عهد احسبه يعود إلى طالع دراستي الأكاديمية، ولما كان الاستقرار في الدراسات العليا على ركوب لجج علم الجمال وليت وجهي شطر النصوص الإبداعية لدى رواد ركبوا غمار الاستطيقيا فمسحوا منحوتاتهم الشعرية بجمال الزهرة وغروب الشمس أن الأصيل، واغدقوا على صورهم مشاعر وانفعالات مسومة باللذة الجمالية، فكان من بينهم الشاعر السوري الراحل جسدا الخالد ابداعا نزار توفيق قباني الذي بات شعره معلما فنيا يتفجر ابداعا وجمالا كلما جدنا عليه بالتمحيص والتقصي والتحليل) ص٩، بهذه العبارات الجميلة المسبوكة والمعبرة قدمت الباحثة لكتابها هذا الذي أقدمه للقارئ العزيز.

يقول الدكتور سيار الجميل وهو يتحدث عن نزار :(لقد خلق نزار قباني على امتداد حياته المليئة بالتناقضات جملة من الازمات الفكرية والأدبية، انه المعبر الحقيقي عن تناقضات خطاب العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، انه الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية التي ألفها الناس في تفكيرهم وتقاليدهم الاجتماعية من ازمان طويلة، كان نزارحرا ومتمردا فيما يقول بشأن اهم ماشغل بال العرب والتفكير والجوارح، والمشاعر والأحاسيس، أنني اعترف ان للرجل شاعريته التي لايختلف حولها اثنان وعندما يسمعه الناس تطرب اسماعهم وتهنو قلوبهم) ملحق المدى /٢٠١٠.

خصصت الدكتورة سحر شبر بداية كتابها لفصل تمهيدي اعدته مدخلا لمعرفة هذا الشاعر عنوانه (المنطلقات الفكرية للشخصية النزارية والابعاد المعرفية للصورة والجمال) وجعلته على ثلاثة محاور، الأول :نزار قباني المولد والنشاة، والثاني :الصورة في المنظور اللغوي والاصطلاحي، والثالث :فن الشعر والجمال، واحسبه اهم المحاور الثلاثة فقد كتبت تقول :(الفن ظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسه، اعتملت في فكره فحاكى بها الطبيعة وصبغ حقائقها برؤاه، واضفى روحه فوق روحها لتغدو اكمل بلا عيب، واجمل مايمثل أمام ناظريه، ولذلك قيل ان الفن هو الطبيعة مضافا إليها الإنسان، وقد تكاثرت وجهات النظر واختلفت الاراء في حدوده الا انها مهما تغايرت فستقف حتما على انه :مجموعة العمليات والطرق التي يقوم بها الفنان لخلق عالم جميل، يعبر عن نفسيته بصدق، وتفاعله مع بيئته بمفهومها الواسع، إذن العمل الجميل غاية الفن، وشرط اساسي في تكوينه، ودون الجمال يبقى كل تعبير عن المضمون فارغا، مبتذلا لايتمتع بطاقات الروعة والاندهاش وهي المظاهر الأولية للإحساس بالجمال) ص٣٥، وفي المحور نفسه تضيف قائلة :(اذا كان الجمال يقطن في الصورة او الصوت او الحركة او النغم فإن الشعر اقدر على استيعاب اطيافه هذه لانه بالألفاظ يعبرعن جميع انواعها من ساكن ومتحرك في حين ان التصوير لايستطيع التعبير الا عن الساكن، والموسيقى تقتصر على صور السمع) ص٣٦، وتعطي الباحثة معنى لذلك فتقول :(معنى ذلك أن للشعر خاصية شمولية تنضوي تحتها حصيلة الحواس جميعها وفن الشعر مركز اجتمعت حوله كل أصناف الفنون الجميلة، يواتي الفكر ويبحث ويصور ويغني ويرى ويتحرك ويوحي ومن ثم هو الفن المتكامل بالجمال) ص٣٦.

والشعر الحقيقي الذي يخلد صاحبه لابد أن يغور في داخل الإنسان ويعبر عن خلجاته بكل اخفاقاتها ونجاحاتها وسعيه الدائم للوصول إلى عالم تسوده قيم الخير والمحبة والسلام، يقول نزار قباني في إحدى مقابلاته :(كنت ابحث عن الإنسان بصرف النظر عن لونه او جنسه او غناه او فقره او موقعه الاجتماعي، وكل شعر لايتجه إلى الإنسان ولايصب فيه هو شعر عبثي وهامش الإنسان هو محور هذا العالم وهو القضية الكبرى التي تستحق النضال من أجلها والكتابة فيها.

وفي نهاية الفصل التمهيدي قالت الباحثة بناء على تلك الفكرة نقول :(ان الجمال ذاتي وموضوعي، اما كونه ذاتيا فيستلزم ذاتا تتامله من دونها لما عرف قط، وأما كونه موضوعيا فلانه موجود وجودا عينيا في الأشياء، وهو مجموعة من الخصائص والسمات اذا توافرت في الشيء صار جميلا او اتفق الأفراد على انه جميل) ص٤٣، جاء الفصل الأول تحت عنوان (القيم الجمالية في عصر نزار وبيئته) تحدثت فيه الدكتورة عن جماليات الطبيعة في المبحث الأول إذ حددت سوريا والبيت الدمشقي العتيق وهو مهد طفولة قباني ومرتع صباه والمفتاح إلى شعره، وكانت لبنان أيضا لها تأثير كوطن ثان للشاعر بعد سوريا _حسب الباحثة _ ومن ثم مصر وأثرها في حياة نزار، وكذلك إنجلترا ومن ثم أسبانيا فالصين، كل هذه المحطات وطبعتها أعطت دفقا شعريا وأثرها في شخصية نزار قباني، وفي المبحث الثاني درست الباحثة جماليات فنون العصر إذ بدأت بفن العمارة قائلة :(تبدا رحلة العمارة العربية في مسير جمالي من البيت الدمشقي القديم الذي اكتنف نزار بين زواياه، وهو عبارة عن زخرفة حجرية (المشقف) والجصية (الابلق) والزخرفة الخشبية (العجمي) وعناصرها الهندسية التي تصدر عن شكل هندسي اساسي مثلث او مربع او مسدس ومثمن لكي تنطلق متشعبة بحركة جاذبة) ص٦٠، ولم تغفل الباحثة الفنون التي تأثر فيها نزار كالفنون الأدبية والفنون التشكيلية وفن التصوير وفن الموسيقى والفنون الصناعية والتطبيقية، اما الفصل الثاني فكان (فلسفة الجمال في صور نزار المعنوية)، وأعطت عنوانا لمبحثه الأول هو :الخير _الحق تقول فيه :(فالشاعر الذي يبدع نظما شعريا ذا مستوى عال من الأداء الجمالي يرمي إلى بناء القيم الإنسانية الأصيلة في ذواتنا ومشاعرنا واقوالنا وافعالنا وعلاقاتنا الحميمة بغيرنا أثناء الممارسة الاجتماعية فإن صنيع الشاعر هذا جميل خير معا لأن النشاط أتى بالارادة فولد الانفعال بعمق وثراء فنيين، وتحول شعار الفن للفن إلى الحياة لأجل الفن في شعر نزار وعلى نحو أدق الحياة المكرسة للعالمين الشعري الجمالي والأخلاقي السامي، وكل عالم منهما يبسط ظله على الوسيلة التي تؤديه الا وهي الصورة) ص٨٠ ، وتستمر الباحثة في شرح المصاديق الجمالية لقيمة الحق مقرونة بنماذج من شعر نزار وتحليل موضوعي لهذه النماذج، وكان (القبح) عنوان المبحث الثاني وقد عرفته الدكتورة :(احساس النفس بالانكماش أمام صورة أو قضية ورفضها لأنها لاتتوافق معها وتمتعض منها في الواقع المحسوس والوعي المدرك يظهر من صميم الموضوع بالنسبة للطبيعة ويكون جزءا من حقيقة كلية اذا اكتشفها الفنان حولها إلى صورة تعبيرية طريفة مغمورة بانظمة الجمال) ص١٠٣، و(فلسفة الجمال في صور نزار المادية) هو عنوان المبحث الثالث والذي يتالف من محشورين الأول :الطبيعة والمرأة، وقد اجادت الباحثة بأسلوبها الممتع وقلمها البارع في شرح الطبيعة التي وجد نزار فيها ضالته في ساحات الإبداع الشعري المفتوحة، إذ ان الطبيعة والمرأة والوانهما المعبرة روافد تدر عليه جمالا وتفيض خيالا _حسب الباحثة _وفي أثناء تحليلها لبعض النصوص التي دونتها تقول :(وكان للطبيعة واللون اثرهما الجلي في اثراء الصورة بالحضور الجمالي والحضور النفسي الذي تعبق به علاقات التوازي اللونية للطبيعة، إذ واءم نزار بين بياض الزهرة وخضرة السنبلة لهاثا وراء تجدد الحياة بنضوج الأمل وانبعاثه بعد رقعة الأسى وقسوة فقد الاب او الأم، وجريا خلف التجدد بعد توجع الأرض من شحوب الخريف) ص١٢١، وتنتقل الباحثة إلى محور المرأة قائلة :(ان الجمال في احد اطيافه هو صورة الطبيعة منعكسة على المرأة، معنى هذا أن جمال الطبيعة كله بما فيها من ذبذبات وحركات وموجات وخطوط وألوان متناثرة في قسمات وجه المرأة وملامح قدها ونسيج شعرها وهندسة جسدها، ولذا اسست المرأة قيمة جمالية قادرة على بث المتعة في النفس لأنها تجمع إلى جنب جمالها جمال الطبيعة الذي يستفز متأمله بالمشاعر الجمالية، من هنا اتخذ نزار المرأة مثالا تذوقيا على نحو تفصيلي وعلى وفق مزاج تحليلي مانحا ذلك النمط صفة التقديس الجمالي عبر قدرته على الخلق والإبداع الفنيين) ص١٢٣، و(المكان) هو عنوان المبحث الثاني إذ عرفته الباحثة :(هو الفراغ المنتظم في علاقات هندسية ومقاييس جغرافية هذا بالنسبة للمكان الجغرافي، اما المكان الشعري او الفني فهو الفضاء المفتوح المتركب بفعل العلاقات التخييلية والومضات الحدسية، المحكوم بالبعد الحقيقي الواقعي والمنضبط بالحس الوجداني للذات الخالق والمشبع بالايديولوجيات والرموز الدلائلية) ص١٣٠ ، وكان عنوان الفصل الرابع والأخير من الكتاب هو :(التجربة الجمالية في صور نزار) وتحدثت الباحثة فيه قائلة :(عملية اتحاد شعوري واستغراق ذاتي وتمارس عقلي تأملي يستقدر على الذات، وبكلمة أخرى تعني استئثار الموضوع بوعي الذات كله بحيث يسلخها عن العالم المحيط، محلا اياها في صميمه لمدة لحظات زمنية قد تطول او تقصر بحسب درجات التأثر، ثم تنقطع تلك الذات عن الموضوع مصحوبة بالمتعة او الارتواء الجمالي دون الرغبة في حيازته او امتلاكه ولعل هذا مايميز التجربة الجمالية عن غيرها من التجارب، اي ان الوعي المتذوق يستقر عند الموضوع الجمالي للتمتع دون غرض او غاية أخرى) ص١٤٣ ، و(تفاعل المتلقي مع الصور الجمالية) هو عنوان المبحث الثاني والتي شرحت فيه الباحثة التنبؤ او الحدس الجمالي والادهاش والاستحواذ والتوحد، وجاءت الخاتمة والتي خلصت الباحثة فيها إلى اهم نتائج دراستها القيمة هذه، هنيئا للعزيزة الناقدة الدكتورة سحر هادي شبر على دراستها هذه لفرع مهم من فروع المعرفة وهو علم الجمال.

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
تابعنا على الفيس بوك
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار