اخر الاخبار
قراءة  في كتاب ( لم أكن نبيا” ) لخلدون السراي ..

قراءة في كتاب ( لم أكن نبيا” ) لخلدون السراي ..

وكالة المرسى نيوز
ــــــــــــــــــــــــــ
قراءة خاصة في كتاب ( لم أكن نبيا” ) لخلدون السراي ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم ناظم عبدالوهاب المناصير
أنفتاحٌ جديـد ببصمـةٍ فريـدة ، إذ علينـا متابعــة ودراســة حركــــــة دائبـة تنبض
بصدقٍ ، أنهـا تلبيـة جادة أمــام مرأى التحولات والتغييرات التي قد تكون طارئة ،
لكنها قد تعطينـا زخما” واضحـــا” من الصور الأبداعية للوصول إلى ما يتناثر من
ردَّة فعل لأفعـال لهــا تَمَيُّـزُهـا في أستدلالات مثيرة لحكايـات قد تقصر أو تطول ،
فتبرأ من حيثياتهــا حينمــا تبدو في دور من أدوارها في لغط أو قولٍ يَسِرُّ أو يَضِر
، أو أنها تبقى كأداة لرسم صورة من صورالحياة ـــ بغض النظر عن سلبياتها أو
إيجابياتهـا ـــ كعنصر مؤهل حينمــــا تتآلف التجارب وتتناغم الحكايات وتتسامق
العبارات الموحيـة إلى فصل آخر يتناسب فيما يعتنقـه الأنسـان من مذهب الصياغة
والأســــلوب ضمن ســـياقـات رموزها وجوانبهــا الأيحائيــة ، لمعالجة أية قضية
طارئة على نحوٍ يستطابُ بهـا بأن تُخلد كلماتها في فترة من الزمن لتعطي ثمارها
وفق نظرية الشكل والمضمون ..
القصـة القصيرة ، مسرح صغير وحركة دائبــــة ، لكنها تُمثل خطا” واحدا” لم
ينطلق إلاّ لظرف زمني محدد ونتاجُها قـد يكون ضيقـــــا” في حدٍّ معين ، إذ أنهـا
تختلف عن الرواية التي تنطلق بمديات ومساحات شـاسعة وفي خطوط واضحة ،
وقد أكد ” براندر ماثيوز ” في كتابه ” فلسفة الأقصوصـة ” إنّ وحــدة التأثير التي
دعاها ” بو ” قبله بالشمول هي الفارق الأساسي بين الأقصوصة والقصة .. مع أنّ
الأقصوصة هي أقدم أشكال العمل الأدبــــي ، فيغترب الأنسان ضمن حالتــه وفي
أطارها التقليدي وما تنطوي عليه في بنـاء شخصيته في النشأة والأنطلاق، وبلوغ
الأسلوب أو المنهج في دلالات تستوعب النهج الفني في لغة واضحة، فينكشف لنا
عالم متغير وقاسٍ أو مفرحٍ في أحيـان أخرى ، وفيـــه معانٍ وأبتكارات تُحتم على
الأنسان من خلال تأمله أن يحقق مكتسباتِ ذاتِيَتِه ..
القصة القصيرة جدا” جاءت وليدة لمنطلقات القصة القصيرة ، إذ أنه فن سردي
ذو نفس قصير جدا” يملك الدلالة الواضحة ، قائمة بذاتها من حيث فكرتها وبنائها
فتتميز في حجمها الصغير الذي يُظهر فيها الحدث كفكرة مختزلة ببلاغــة متناهية
فتقوم على ركيزتين : ركيزة داخلية توضح العلاقة النفســـية والأنفعالية ، وركيزة
خارجية وطالما تأتي في موقفين نقيضين أو أيجابيين أو قد يكون أحدهمــا أيجابـيا”
والآخر ســـــلبيا” ضمن موقف درامي في بوصلة الفرق بين حركتي الموضوع أو
الدلالة الفكرية ، وكثيرا” ما نرى حدوث مفاجئات على غير ما نتوقع كمتلقين ، وأنّ
هذا النوع من القصص ، لابد أن يكون كاتبها متمتعا” بقوة الرؤية ودقة الملاحظة
كمــا يخضع هذا النوع في أستخدام الرمز أحيانا” في معادلة النص ..
تتوضح أركان القصة القصيرة جدا” من خلال الجرأة والنفس القصير في وحـدة
الرؤية والتكثيف والمفارقة والمبالغة ، وأحيانا” قد لا تتجاوز بضع أســـطر وقد لا
تكون بأكثر من سطر واحد ، حيثُ أنها تشبه إلى حدٍّ بعيد إلى الومضة في الشــعر
النثري الحديث ، لكنها تختلف من حيث المفارقـــــة وتآلف الصياغة في القبول أو
الرفض أو القبول معا” أو غير القبول ..
الكاتبة ألهام عبدالكريم، برعت في كتابة القصة القصيرة جدا” من خلال أصدارها
( وتحب الورد ) ـــ قصة شكوى ــ يشكو من الوحــــــدة والعزلة ، وإن ْ زاره أحد
شكى من الضجيج وضياع الوقت ) أنها ذات فكرة نقيضة في شقين ، الشق الأول
يشكو من العزلة وفي الشق الثاني يشــــــكو من الضجيج ، حالة متناقضة لشخص
نراه متناقضا” ، وكذا في قصتها القصيرة جدا” ( ما أجملك ) : قال لها الأول : كم
أحبك ؟ وقال لها الثانــــي: ما أجملك ..! .. وحين صار عليها أن تختار .. ففضلت
الثاني مع علمها أنها خسرت الحب ..!
القصة هذه تظهر مسألة الأختيار : الركيزة الأولى الحب ، أما الركيزة الثانيــــة :
الجمال والنساء قد يفضلن الجمال على الحب ..! وهذه توقعات قد تكون سلبية أم
أيجابية ، لكننا نحاول أن نعطي فكرتنا تلك في قراءة خاصة لكتاب ( لم أكن نبيا”)
للكاتب خلدون السراي ، الكتاب يضم 125 نصا” ، كل نص يعتمد على الدلالة
الكثيفة والمتسارعة والأشارة إلى المفارقات والمتنافضات بلغة جميلة ..
لنقرأ هذه القصة : خلود ــ ( بعد رحيل والدها لم ترتد سوى ثوب الحزن ، في يوم
زفافها كانتْ في حَيْرة .. كيف تستبدل الأسود بالأبيض ، لم تمرّ سوى ساعات ٍ
معدودة حتى كانت الأصوات تعلو القرية ، سمعتهم يقولون : إفرحي ها قد زُفّ
عريسُــك شــهيدا” ).. هذه القصة تتكون من ركيزتين أو قسمين لكنهما متآلفان
من حيث مشهد الحزن .. مسرحهما كان في القلب أكثر مما في العقل ، العاطفة
تغزو كيان خلود ، تحبُّ والدها الذي مات فتحزن عليه ولبست السواد ، لكنها في
يوم زفافها بقي مشهد الحزن وبقي قلبها ينضح حزنا” ولم تستطع أن تلبي نداء
التغيير من ثوب الحزن إلى بدلة الفرح وبقي الثوب الأسود يضم جسدها ليلتصق
به حزن آخر ..
لكن قد تكون المناوبة في بناء القصة القصيرة جدا” تثمر عن مشهد التأمل في
الأنتقال من مشهد تشاؤمي إلى مشهد التأمل ( حين أخترق المطر فتحات سقفهم
، وقفت وسطهم وشرّعت عباءتها ، قال أصغرهم لأخيه : كيف سيعيش من لا
يملك منزلا” ؟ .. وكان التفاؤل في ردِّ أخيه : سينجو من كان لديه مثل أمنــا )
هذا التشخيص الثنائي السلبي والأيجابي يُشكل حدثا” دراميا” في موقفين نقيضين
الكاتب شَخَّص في مجموعته القصصية القصيرة جدا” مَعْلَمَـا” في الأيجاز
والتشكيل الفني ببراعة متقنة ، كما لو يقول لنا : أنّ الحياة هكذا فيها تمّ خلقنا ..
بحارها كبيرة واسعة ، لكننا قد نستفيد منها وفي أحيانٍ أخرى تكون أمامنا عسيرة
ولكافة المخلوقات الأنس والحيوان والنبات … النار مفيدة وإيجابة ، لكنها تظهر
بموقفها السلبي حينما تحرق وتدمر ، وقد تكون الأستنتاجات عملية مدهشة حينما
( تَشَجَعَ وقرر أن ينشر رسالة والده ، عندما وصلت للحاكم ، تأثر كثيرا” ، قرر أن
يمنحه جناحين كي يلتحق بأبيه )
الكاتب أجاد وكأنه يتربع على كهانة القصة القصيرة جدا” والتي تحظى قصصه
بقدر عالٍ في الواقعية مع أنّ مفرداتها تزخر بأوضاع تكتنز مآثر الحياة الأنسانية
وأهم ما يتميز به الكاتب هو عملية التبسيط وأعطاء صورة حية في نسق مادته
وترتيبها وفق معايير تباينِها في خصائص فنية بكتابة القصة القصيرة جدا” مما
يظهر مدى الأنتباه إلى فروقات الحياة وتناقضاتها وأنّ ما تفيض به قريحة الكاتب
لهي التميز بالنشاط والوضوح بقضايا عامة أو خاصة بقدر كبير من الأهتمام في
الربط بين فكرتين آنيتين بنمط يوحي بالأبتعاد عن الحشو والتشبيهات والمغالاة
والذهاب إلى الصور المبسطة والملخصة في بناء الجملة تحت نصٍ يتوهج بفكرة
أو دلالة توصلنا لغاية الأفصاح العلني في موجبات ما تستدعيه الفضاءات المتحركة
غريزيا” أو وجدانيا” بحبكة ذات وعيٍ وأحاسيس صادقة متسامية لأحداثيات تحفيز
المعاني والتناسق بين الفعل وردة الفعل وفق منظومة جازمة تعطي النفس القصير
بنضوج مبتكر في القصة القصيرة جدا” ..

عن Resan