اخر الاخبار
هل يُبرّأ محافظ البصرة بعد جلسة البرلمان؟

هل يُبرّأ محافظ البصرة بعد جلسة البرلمان؟

هل يُبرّأ محافظ البصرة بعد جلسة البرلمان؟

*عبد الكريم كاصد (كاتب وشاعر )

إذا كان الكلّ مبرؤون: المحافظ ، أعضاء مجلس المحافظة، وزيرة الصحة، مدير عام وزارة الصحة، وزيرالموارد المائية، مدير الموارد المائية في المحافظة، وزيرة البلديات، مدير بلدية البصرة ، (رئيس الوزراء مُبرّأ أساسا) فمن هو المسؤول عن تسمم الآلاف من أهالي البصرة وقتل أكثر من عشرة من شبابهم وتعذيب البعض في أقبية التوقيف؟
يقول وزير الموارد المائية التكنوقراط بحيادية وبزهو موسوعيّ، وكأنه يخاطب حشداً أكاديمياً لا مواطنين بسطاء، ما ملخصه إن الماء ليس مشكلة إطلاقاً وإنما المشكلة في الشبكة وإن مسؤوليته ليست عن مياه الشرب بل الماء الخام، فمن هو المسؤول المفترض عن إدامة الشبكة ومياه الشرب؟ أليست الوزارة نفسها وما يلحقها من مديرية الموارد المائية في البصرة، ومؤسسات أخرى معنية، يديرها مسؤولون آخرون أغلبهم إن لم يكن كلهم ينتمون إلى أحزاب تمتلك ميزانيات هي أضعاف ميزانية البصرة لسنوات قادمة؟ أم أن مسؤوليتها تقع على عاتق مسؤولين فضائيين لا نعرفهم؟
ولكي يبدو الحديث ملموسا سأتوقف عند جلسة البرلمان الاستثنائية المنعقدة أمس، الخاصة بأحداث البصرة الأخيرة، والتي تخللتها فراغات لا يمكن السكوت عنها تضاف إلى الفراغ الكبير الذي هو مجلس النواب نفسه:
1- لقد غيبت الجلسة الضحية تماماً، فلا إشارة إليها ولا دقيقة صمت حدادا على شباب مسالمين لم يطالبوا إلا بما هو حدّ أدنى لاستمرار حياتهم، وكأن من استشهدوا ماتوا بفعل حوادث سير. وهذا يدل على المستوى الأخلاقيّ الذي بلغه مجلس نوابنا الموقر العارف بالأصول والمدافع عن حقوق المواطنين والخاشع أمام تضحياتهم!
2- إذا كان ما استلمته المحافظة من مبالغ هي لتسديد ديون سابقة، وإذا كان من تخاطبه، افراداً أومؤسساتٍ ، فاسداً فهل يعني هذا أعفاءها من أبسط الخدمات، وشلّ فعاليتها بالكامل فلا تستطيع أحداث أبسط مأثرة يتذكرها أهالي البصرة الذين أتخموا بالوعود من قبل المحافظة، والجهات العليا التي عولت عليها المحافظة نفسها وهذا ما يمكن ان يلحظه أي مشاهد للمقابلات التي اجريت مع المحافظ قبل أن تحل الكارثة الأخيرة.
أليس بالمستطاع إزالة المزابل التي امتلأت بها شوارع البصرة وأزقتها بلا انتظار الموارد المالية الضحمة التي تحسب بالمليارات.
لم ارمدينة في حياتي أبشع من مدينتي في أوساخها ومزابلها، وفوضى الأسواق المنتشرة في كل زاوية وهذه العشوائية التي تصادفها في كل شيء ألم يكن من الممكن القضاء عليها أو الحدّ منها بقوانين مشروعة ملزمة كما يحدث في كل العالم حتى في البصرة نفسها في العهد التركي (أتمنى مراجعة كتاب المؤلف الدنماركي عن البصرة والذي لا يحضرني اسمه الآن).
وإن ضاق الأمر فلا مجال لتحركٍ هناك أما كان بالإمكان مكاشفة الناس بالحقيقة، واستنهاض هممهم لأزالة أوساخ مدينتهم واحترام القوانين، أمّا البقاء في المكان الواحد
وانتظار ما تقرره المؤسسات الفاسدة العليا فما هما إلا تكريس لما هو أسوأ من مشكلات أخرى قادمة، وهذا ما حدث فقد أضيف إلى ما سبق من مشكلات مشكلة الكهرباء والماء الملوث المالح والأنهار المفزعة التي تحولت إلى مكبّ نفايات تهدد بكوليرا قادمة كما يصرح المسؤولون أنفسهم.
3- أكان من الإنسانية الانتظار عاما كاملاً لتدفع رواتب عمال النظافة على ضآلة أجورهم؟ أهذا كثير على مدينة محافظها، وأعضاء مجلس محافظتها، ونوابها من أحزاب كبيرة لها إمكاناتها، وعقاراتها، ومكاتبها، وحراسها، وميليشياتها، ومقاولوها، وحصصها الهائلة من النفط المهرب؟ وكيف يهدأ ضمير المسؤول وهو يرى عمالا بسطاء لا تسدد أجورهم الضئيلة لفترة عام؟ ولو جمعت رواتبهم كلهم – حتى لو كان بينهم فضائيون مجهولون- فلن تساوي شيئاً إزاء راتب واحد من رواتب مسؤولين كبار برروا ما يستلمونه من رواتب ضخمة بتفضلهم بمنحها إلى الفقراء. أليس عمال النظافة من الفقراء أيضا أيها المحسنون؟ حين كنت في البصرة قبل بضعة أشهر أضحكتني وأضحكت الجالسين معي خبر الزيادة الضئيلة جداً، الممنوحة لعمال النظافة؟ في بلدٍ لم تعد سرقات مسؤوليه تخمن بالملايين بل بالمليارات.
4- حين يتم حرق مكاتب الاحزاب وتهرب عوائل المسؤولين من بيوتهم أليس من المنطق البحث عن أسباب ذلك لا عرض الأمور بالمقلوب وكأن الأحزاب والمسؤولين هم الضحية والمتظاهرين العزل هم المعتدون المندسون.
5- إذا كان مدير شرطة البصرة رجل رشاوى أو على حدّ تعبير المحافظ في البرلمان “حرامي” لا يمكن الحد من فساده رغم مخاطبة المحافظ الجهات العليا في السلطة وورغم أنه هو رئيس اللجنة الأمنية في البصرة فما ذا يقول المواطن البسيط؟ أين هي الدولة؟ لماذا إذاً الحديث عن المؤسسات واللقاءات والتخصيصات والخطط والأمل بحدوث أي تغيير في الواقع حتى في ابسط أشكاله؟
6- وإذا كان المركز بهذا الفساد فكيف هي الحال بالنسبة لمحافظة هي شريان البلاد باكملها؟ أهي خالية من الفساد حقا؟ أين أخطاء مؤسساتها أم أن مؤسساتها بلا أخطاء أبداً؟
7- وحين يشل المسؤول ويكون هذا المسؤول نقيا أليس الأمر يتطلب الاستقالة التي سيكون لها تأثيرها الكبير في تاريخ المدينة وفضح الفساد؟ ألم يرشح المحافظ مع قائمة النصر التي يقودها العبادي؟ كيف تغيرت قناعاته به خلال هذه الفترة الوجيزة؟ مع كل تجربته المريرة التي يطرحها في مقابلاته الأخيرة والتي يتحدث فيها عن لقاءاته برئيس الوزراء ووعوده الكاذبة.
هل يعرف ناسنا ان انتقال نائب من حزب إلى حزب آخر يشكل هنا فضيحة مدوية في المجتمع الأوربي؟
8- في السجال الذي حدث بين المحافظ ورئيس الوزراء قال الأخير مخاطبا المحافظ: كان عليك ألا تغادر البصرة فأجابه هذا بإن مغادرته كانت بدعوة من مقتدى الصدر ولو وجه مقتدى الصدر الدعوة لرئيس الوزراء لذهب إليه مسرعاً أيضاً وفي هذه الإجابة ثمة تداعيات من المعاني لا تحصى أتركها للقارئ ولكن لن أنهي ما كتبت دون السؤال: من الحاكم في عراق الفترة المظلمة؟

عن Resan